GD Star Rating
loading...

صدر بالأمس التقرير الكامل للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة حول استخدام الأسلحة الكيماوية في الحادي والعشرين من شهر آب/أغسطس 2013 في منطقتي الغوطة الغربية والشرقية بريف دمشق. التقرير الكامل مكون من خمسة صفحات، بالإضافة الى حواشي من 33 صفحة. يتحدث التقرير بداية عن حيثيات التحقيق، ثم المنهج المتبع، ثم عرض ما تم ايجاده، ويختم بنتيجة التحقيق. سألخص هنا ماورد في التقرير بشكل سريع يغطي ما نريد سرده بالتحليل.

1. حول المواقع التي تمت زيارتها وما تغطي الزيارة:
المواقع التي تمت زيارتها في الغوطة الغربية هي المعضمية (26/8) لمدة ساعتين، وعين ترما وزملكا في الغوطة الشرقية (28,29/8) لمدة مجموعها خمس ساعات ونصف. قامت البعثة بالتالي:
– التحدث مع الناجين وشاهدي العيان على ما حصل في 21 آب
– توثيق الذخائر المستخدمة ومكوناتها الفرعية
– أخذ عينات بيئية وتحليلها لاحقا
– تقدير الاعراض التي اصيب بها الناجون
– جمع عينات دم وبول وشعر لأجل تحليلها لاحقا

2. نتيجة التحقيق:
– بتاريخ 21 آب 2013، تم استخدام الأسلحة الكيماوية على نطاق واسع نسبيا في منطقة الغوطة (الشرقية والغربية) بين أطراف النزاع في سوريا وضد المدنيين والأطفال.
– العينات التي تم جمعها من المناطق زملكا وعين ترما والمعضمية تدل على أن غاز السارين تم استخدامه واطلاقه عن طريق صواريخ أرض-أرض، ويسرد التقرير بعض الحقائق المؤدية لهذه النتيجة وهي:

  • وجود آثار سقوط وانفجار صواريخ أرض-أرض قادرة على حمل رؤوس كيماوية
  • بيئة المناطق المحاذية لسقوط الصواريخ حيث أصيب المرضى ملوثة بمادة السارين
  • عدد من المرضى والناجين تم تشخيصهم بوضوح بإصابتهم بمركبات الفوسفور العضوي
  • تحاليل الدم والبول التي اجريت على هؤلاء المرضى كانت ايجابية لغاز السارين

– أخيرا، هذه النتائج تركت المحققين بقلق عميق!

***

التقرير موجود على الانترنت كاملا، لمن يرغب بقرائته هنا.

ما استرعى انتباهي هو الأمور التقنية التي ذكرت تحديدا في حواشي التقرير والتي تتحدث عن:
1. إشارة التقرير إلى توقيت الضربة المنسجم مع معلومات حالة الطقس في ليلة القصف
2. حجم ودقة الضربة
3. كمية السارين المستخدمة
4. نوعية المقذوفات الصاروخية التي استخدمت لحمل الغاز السام وإشارة التقرير إلى الإتجاه الذي أطلقت منه هذه المقذوفات

سأناقش هذه النقاط تباعا:

أولا: الطقس:
ذكر التقرير بأن درجة الحرارة في ليلة 21 آب انخفضت من الساعة الثانية إلى الخامسة صباحا مشيرا إلى أن هذا الجو يجعل الضربة الكيماوية  ملائمة جدا، حيث يبقى الغاز السام الثقيل عند القصف على ارتفاع منخفض مسببا أكثر أذية ممكنة للمدنيين تصل حتى داخل ملاجئهم وبيوتهم.
وكأن التقرير يشير إلى أن من قام بهذا العمل الإجرامي قام به عن سبق الإصرار والترصد والمعرفة الدقيقة للظروف المثالية لاستخدام هذا الغاز السام.

ثانيا: حجم ودقة الضربة:
من الواضح تماما أن الضربة قد استهدفت مناطق في الغوطتين الشرقية والغربية (مع ملاحظة المسافات بينهم). كما أن الضربات تمت بتوقيت واحد وقد شملت مناطق واسعة حسب التقرير مثل زملكا وعين ترما والمعضمية (وهي المناطق التي زارها المحققون على الأقل)، وهي مناطق خارجة عن إدارة النظام وتشكل تهديدا لسيطرة النظام على دمشق. وتم سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين ضمنهم الأطفال في هذه الهجمات الإجرامية.

ثالثا: كمية السارين:
أشار التقرير إلى أن الرؤوس المتفجرة التي من المفترض أنها الحاملة للمواد الكيماوية حملت بقرابة 56 لتر (± 6 لتر) من المواد الكيماوية مما يجعل الاعتقاد أن مجمل الكمية المستخدمة بالضربة تفوق الـ 300 لتر.
هذه الكمية الضخمة من المواد الكيماوية تحتاج الى نقل وتخزين بعناية. وجود أكثر من300 لتر (على الأقل) من هذه المواد تحتاج إلى فريق متخصص للإشراف على حشوها ونقلها وتخزينها. بالإضافة إلى أن انتاج هذه الكمية الضخمة من السارين تحتاج إلى موارد وإمكانات ليست بسيطة.

يبدو أن غاز السارين يمكن انتاجه في المخابر بطرق بسيطة (مثل ما حصل في حادثة قطار الأنفاق بطوكيو) وكما ذكر أيضا موقع البي بي سي (اضغط هنا)  في العام 2003. ولكن انتاج هذه المادة بهذه الكمية من قبل هواة وعصابات مسلحة وما إلى ذلك كما يدعي النظام السوري والروس وغيرهم تحتاج إلى موارد وخبرات وإمكانات لانعلم اذا كانت متوفرة لدى الكتائب المسلحة.

رابعا: نوعية المقذوفات الصاروخية التي استخدمت لحمل الغاز السام وإشارة التقرير إلى الإتجاه الذي أطلقت منه هذه المقذوفات:
يتحدث التقرير عن العينات من المقذوفات الصاروخية التي قام بفحصها الخبراء في أربع مناطق لسقوط هذه المقذوفات، ويذكر أن بعض هذه المواقع لم يكن بالإمكان التأكد فيها من نوع المقذوف بشكل دقيق نظرا لتعرض الدلائل للعبث. أيضا، لم يستطع الخبراء الجزم بأن المقذوفات الصاروخية المستخدمة هي مجهزة برؤوس كيماوية أصلية او أن الصواريخ معدلة لحمل المواد الكيماوية.

ولكن الخبراء استطاعوا أن يجمعوا دلائل مؤكدة وحاسمة لأنواع المقذوفات الصاروخية واتجاه سقوطها في موقعين اثنين من المواقع الأربعة التي فحصوها :

الموقع الأول: المعضمية:
استنتجت بعثة التحقيق بأن المقذوف الصاروخي الحامل لغاز السارين الذي تم فحصه في منطقة المعضمية هو من نوع M14 – 140mm

بالبحث في الانترنت عن هذه القذيقة الصاروخية نجد بأنها تستخدم في سلاح الـ BM14 (لمعلومات حول السلاح، اضغط هنا) حيث يبدأ مدى هذا السلاح بـ 9.8 كم ويمكن أن يصل إلى 15 كم. كما أن التقرير أشار بناء على دراسة منطقة سقوط المقذوف الصاروخي في المعضمية أن زاوية (سمت) الإطلاق هي °215 – جنوب غرب، وبذلك يكون اتجاه الصاروخ °35 شمال-شرق

BM14

وهكذا باستخدام البوصلة وموقع خرائط غوغل نستطيع أن نحدد تقريبيا المنطقة التي أطلق منها هذا الصاروخ اعتمادا على المعلومات السابقة (مدى الأطلاق بين 10 – 15 كم، ومسار القذيفة الصاروخية °35) كما يلي:

معضمية ١

وهنا نطرح سؤالين منطقيين:

1. من يسيطرعلى منطقة معربا وضاحية الأسد التي يفترض بأن القذيفة الصاروخية قد أطلقت منها؟
2. هل تملك الكتائب المسلحة قذائف صاروخية من عيار 140 ملم وقاذفاتها؟

قمت بالبحث عن هذه القذيفة ولم أجد دليلا ينفي او يثبت وجودها مع الكتائب المسلحة. وقد أشارالمدون براون موزس (هنا) إلى أنه قد بحث في أنواع الأسلحة الموجودة مع المعارضة خلال السنة والنصف الأخيرة واستنتج أن أكبر قذيفة صاروخية تمتلكها الكتائب المسلحة وتستخدمها هي الـ M106 كرواتية الصنع، رغم أن البعض كان قد أشار الى امتلاك الكتائب المسلحة للـ BM14 وقد أوردوا هذا الفيديو كمثال

لا أستطيع أن انفي او اثبت وجود هذه المقذوفات لدى الكتائب المسلحة. ولكننا نعلم يقينا بأنها موجودة بكل تأكيد لدى الجيش النظامي في سوريا.

 

الموقع الثاني: عين ترما:
ذكر المحققون أن القذيقة الصاروخية التي استخدمت في الضربة الكيماوية على عين ترما في 21 آب هي من عيار 330 ملم. وقد أكد المحققون في تقريرهم  أن القذيفة التي قاموا بدراستها كانت دليلا مثاليا حيث ظلت على حالها تماما منذ يوم القصف. أشار المحققون الى أن سمت إطلاق هذه القذيفة هي °115 – شرق – جنوب شرق وبذلك يكون مسار القذيفة الصاروخية °285 شمال غرب

بالبحث بالانترنت عن القذيقة الصاروخية عيار 330 ملم نجد أن السلاح الأساسي لاستخدام هذه الصواريخ يسمى Smerch BM30  (المزيد من المعلومات هنا) حيث أن المدى الأدنى لهذه القذيقة هو 40 كم والمدى الأقصى يصل الى 90 كم، مع وجود نوعيات أخرى قد يبدأ المدى الأدنى لها من 20 كم ويصل إلى 70 كم.

smerch

بالإضافة الى Smerch BM30، هنالك قاذف صاروخي ايراني يسمى “فلق 2″ يستخدم مقذوفات صاروخي من عيار330 ملم، حيث أن المدى الأدنى له 11 كم. وقد وثق المجلس المحلي لمدينة داريا (هنا) استخدام النظام لقاذف فلق 2 في مطلع عام 2013

فلق

 

فيديو صوره الناشطون لإعداد واطلاق صاروخ أرض-أرض يعتقد بأنه فلق 2

اعتمادا على المعلومات المتعلقة بمدى المقذوف الصاروخي 330 ملم والسمت الذي تم اطلاقه منها على عين ترما وباستخدام البوصلة وخرائط غوغل، يمكن ان نحدد المنطقة المفترضة باطلاق هذه القذيفة وحسب المدى الأدنى لكافة أنواع القاذفات التي يمكن ان تستخدم هذا المقذوف، وعليه، نستطيع ان نحدد ثلاثة مناطق مفترضة للإطلاق.

الأول: المدى الأدنى 11 كم، والأقصى 30 كم (مدى صاروخ فلق 2)

عين ترما ١١ كم

المدى الأدنى 11 كم، والأقصى 30 كم

 

الثاني: المدى الأدنى 20 كم، والأقصى 50 كم

المدى الأدنى 20 كم، والأقصى 50 كم

المدى الأدنى 20 كم، والأقصى 50 كما

 

الثالث: المدى الأدنى 40 كم، والأقصى 90 كم

المدى الأدنى 40 كم، والأقصى 90 كما

المدى الأدنى 40 كم، والأقصى 90 كما

 

بنظرة واقعية، نستطيع استنتاج بأن الصواريخ التي اطلقت يوم 21 آب هي من نوع فلق 2 الإيرانية.

نطرح هنا أيضا نفس السؤالين:
1. من يسيطر على المناطق التي تم اطلاق الصواريخ منها وهي قدسيا والعرين وماحولهم؟
2. من يمتلك قذائف صاروخية من عيار330 ملم؟
بالبحث نجد بأن هذه القذائف الصاروخية (عيار 330 ملم) متطورة ومتقدمة وقد يصل مداها الى 90 كم ولم أجد أي دليل إطلاقا على امتلاك الكتائب المسلحة لهذه النوعية من القذائف الصاروخية.

***

بعثة التحقيق التي تم ارسالها الى سوريا كانت بحسب تفويض الأمم المتحدة، باتفاق روسي أمريكي مع النظام السوري، لأجل التحقيق بأحداث خان العسل. وقد تم تفويضها لاحقا بالتحقيق في مجزرة الغوطة. نصّ التفويض على أن بعثة التحقيق ليس من مهامها أن تشير إلى الجهة المسئولة عن هذه الجرائم. ولكن لماذا؟ وهل حقا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بوضع هذا الشرط كما ذكرت بعض المصادر (مثال: هيثم مناع)؟ هذه جريمة ضد الإنسانية ومن غير الأخلاقي أو الإنساني أو المنطقي ألا نعلم من قام بهذه العملية الإجرامية سواء كان النظام أو الكتائب المسلحة.

ولكن اذا تركنا كل ذلك جانبا، وبحثنا في نتائج التقرير الصادر عن هذه البعثة نجد أن المجرم يتمتع بما يلي:

1. القدرة على انتاج كميات كبيرة من السارين وتخزينها ونقلها وتجهيز حشوات صاروخية بها
2. القدرة على معرفة التوقيت المثالي لاستخدام هذا السلاح البشع من أجل الحاق الضرر الأكبر
3. امتلاكه لترسانة من المقذوفات الصاروخية ابتداء بعيار ١٤٠ ملم وانتهاء بعيار ٣٣٠ ملم بعيدة المدى
4. القدرة على تحريك السلاح الصاروخي الثقيل ومخزون كيميائي كبير في أماكن واسعة محيطة بدمشق مندون أي مشكلة
5. القدرة على تنفيذ هجوم متزامن واسع النطاق (بين الغوطتين الشرقية والغربية)
6. سيطرته على مناطق مثل شمال غرب قدسيا، العرين، مساكن الحرس، معربا، وضاحية الأسد.

لم يذكر التقرير صراحة الطرف المجرم. بل ترك الباب مفتوحا للتأويل.

———–

* تنويه: تم تعديل المسار في الصور بعد ملاحظات ابو عامر مشكورا.
**يمكن قراءة هذه المقالة باللغة الانكليزية هنا

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...