GD Star Rating
loading...

سـوريا والفحش الأخلاقي

سـوريا والفحش الأخلاقي

أولغا رودريغيث- صحيفة الدياريو الإسبانية

يجري الحديث عن تدخل عسكري وشيك في سـوريا. ثمة من يأسف لعدم حدوثه من قبل، ولعدم قيام الولايات المتحدة وحلفاءها بالرد حتى الآن. لم يكن قلة اكتراث، بل كان بالأحرى رهاناً استراتيجياً محسوباً.
منذ أكثر من عامين تدعم روسيا وإيران النظام السوري عسكرياً. بدورها، قوى غربية مختلفة، كما حلفاؤها في الشرق الأوسط، تتدخل في سـوريا بطريقة سرية نوعاً ما، مزودة الثوار بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية. فرنسا والولايات المتحدة، بين آخرين، قدمتا مساعدة عسكرية لمجموعات المعارضة المسلحة. وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والاستخبارات البريطانية تعملان على الأرض وتقدمان المساعدة للثوار السوريين والنصح لبلدان الخليج حول المجموعات التي ينبغي أن تقوم بتسليحها.
العتاد القتالي المقدم إلى الثوار الذين يقاتلون الأسـد وصل بشكل رئيسي عبر بلدان الخليح وتركيا، وتم قياسه بدقة منذ 2011، لكي لا يحوز هؤلاء على أسلحة ثقيلة. بهذه الطريقة استطاع الثوار الإيذاء لكنهم لم يستطيعوا الإطاحة بحكومة الأسـد؛ حازوا على القدرة الكافية من أجل المقاومة لكن ليس من أجل الانتصار. وهكذا، استمر الصراع في مستوى يسمح للجانبين بالصمود، مع استنزاف نفسيهما. إنها نقطة العطالة، الوضع غير المحدد الذي ناسب حتى اللحظة بعض الفاعلين الدوليين المتورطين بطريقة أو بأخرى في النزاع.
ليس هذا شيئاً جديداً. في الثمانينات، عندما اندلعت الحرب بين إيران والعراق، قدمت واشنطن الدعم والسلاح والمعلومات العسكرية لبغداد، واستعمل صدام حسين بالفعل غاز السارين الأمريكي ضد السكان الإيرانيين والأكراد. لكن، ضمن استراتيجية اللعب المزدوج قدمت الولايات المتحدة أيضاً وبشكل سري السلاح لإيران بين 1985 و1987 عبر شبكة لنقل الأسلحة الأمريكية والإسرائيلية نظمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
بعائدات هذه الصفقة، دعمت واشنطن قوات الكونترا النيكاراغوية ومقاتلي حرب العصابات الأفغان الذين كانوا يقاتلون القوات السوفياتية في أفغانستان. عُرِفت العملية باسم “إيران غيت”. بهذه الطريقة ساهمت الولايات المتحدة في إطالة أمد الحرب بين بغداد وطهران، بهدف استنزاف بلدين استراتيجيين نفطيين وجعلهما خارج اللعبة. إذا خسر كلاهما، تكسب واشنطن.
البحث عن مباراة شطرنج يسودها التعادل
في الحالة السورية يُعتبر انتصار أحد الطرفين، خسارة للولايات المتحدة (ومعها إسرائيل). إنها الفرضية المقبولة لدى دوائر سياسية وديبلوماسية غربية معينة. لهذا تم الرهان على حرب الاستنزاف، على نقطة العطالة، على الوضع غير المحدد. والآن بعدما حقق الأسـد بعض المكاسب على أعدائه، يعلن الغرب مستوى جديداً من التدخل في سـوريا.
هكذا عبَّر عن ذلك هذا الأسبوع، بلا حياء، ادوارد لوتواك، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، في مقالة منشورة في نيويورك تايمز:
“نتيجة حاسمة لصالح أيٍ من الطرفين ستكون أمرأ غير مقبول بالنسبة لواشنطن. انتصار نظام الأسـد المدعوم من إيران سيزيد من قوة ومركز إيران في الشرق الاوسط بأكمله. بينما انتصار المعارضة، المسيطر عليها من قبل الفصائل المتطرفة، سيطلق موجة أخرى من إرهاب القاعدة.
توجد نتيجة واحدة فقط يمكن أن تكون في مصلحة الولايات المتحدة: السيناريو غير المحدد. الإبقاء على جيش الأسـد وحلفائه، إيران وحزب الله، في حالة حرب ضد المقاتلين المتطرفين المصطفين مع القاعدة، أربعة أعداء لواشنطن سيكونون متورطين في حرب فيما بينهم”.
زَبَدُ النوايا الحقيقية
لو كنا نعيش في عالم مثالي لأمكننا الاعتقاد في خيرية السياسة الدولية. لكانت الحروب شكلت بعثات السلام التي لا ينفك الزعماء الغربيون عن الحديث عنها، ولتحركت الحكومات مدفوعة فقط بالدفاع عن مصالح المواطنين. لكن عالمنا يبعد كثيراً عن أن يكون مثالياً.
التاريخ، تلك الأداة الضخمة لتحليل حاضرنا أيضاً، يثبت لنا أنه في بعض الأحيان تكون الروايات الرسمية لإحدى الحكومات هي الزبد الذي يغطي مواقفها الحقيقية. وأنه وراء المواقف العلنية الإيثارية ظاهرياً تختفي سياسات غير شرعية وإجرامية. وأنه تحت الخطابات الرسمية باسم الدفاع عن حقوق الإنسان تتحرك المصالح الاقتصادية والجيوبوليتيكية.
لا نحتاج لكثير من البحث لكي نعثر على أمثلة:
دعم الولايات المتحدة للانقلابات العسكرية والديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية في أعوام الستينات؛ الأكاذيب لتبرير غزو وتمزيق العراق، الحجج لغزو واحتلال أفغانستان، الإنكار الممنهج لجرائم الحرب، لقتل المدنيين، إقامة مراكز التعذيب المنتشرة في كل أنحاء العالم، قبول أوروبا برحلات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، استعمال الطائرات غير المأهولة -درون- لتنفيذ عمليات قتل خارج نطاق القضاء، استخدام اليورانيوم المخصب، بيع الأسلحة لحكومات ديكتاتورية وقمعية صريحة، ولائحة أخرى طويلة.
للمصادفة، اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية هذا الأسبوع بشيء كان معلوماً: دروها في الانقلاب الذي أطاح في عام 1953 برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، المنتخب ديموقراطياً والذي أمم النفط الإيراني الذي كانت تستغله حتى ذلك الحين بشكل رئيسي المملكة المتحدة.
مؤخراً أُعلِن أيضاً عن عقد تزود بموجبه الولايات المتحدة القنابل العنقودية للملَكِيَّة المطلقة في العربية السعودية، التي تزود الثوار السوريين بالسلاح.
الحكَم الوحيد
القوى الغربية تدعي مرة أخرى تنصيب نفسها حكما نزيهاً يجب استدعاؤه عندما تسوء الأمور. تقدم نفسها “حلالة” للمشكلات عبر استخدام القنابل وزخم عمليات عسكرية “نظيفة وعادلة وقصيرة” (هذا ما قالوه عن العراق، حتى لا ننسى).
الولايات المتحدة وحلفاؤها لا يبدون مستعدين لانتظار تقارير مفتشي الأمم المتحدة قبل مهاجمتهم لسـوريا، ما يشكل سابقة خطيرة.
نظام الأسـد مسؤول عن القمع، عن آلاف الضحايا، لكن في هذه الحالة لم يثبت حتى الآن أنه من قام بالهجوم بالأسلحة الكيميائية. يمكن أن يكون، وهو بالفعل واحد من ستة بلدان لم توقع اتفاقية السيطرة على الأسلحة الكيميائية (جارته، إسرائيل، لم تصدق عليها).
لكن الجدي- والقانوني- سيكون انتظار استنتاجات الأمم المتحدة عن الهجوم، وبعده، البحث عن خيارات بديلة عن استخدام لغة القنابل. عكس ذلك، سيكون الرهان مرة أخرى على حرب غير شرعية، لن تحظى بإجازة مجلس الأمن الدولي.
إذا تصرفت الولايات المتحدة وحلفاؤها كـ “حكم وحيد” لتقرير إذا ما كان ينبغي الهجوم على بلد ما أو عدمه، فإن أمة أخرى يمكن أن تطالب بالـ “حق” نفسه في الغد.
“االفواحش الأخلاقية” الأخرى
رئيس الوزراء البريطاني، دافيد كاميرون، قال إن الهجوم بالسلاح الكيميائي في سـوريا هو أمر “مقيت ومرفوض على الإطلاق”، الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أعلن أن “فرنسا ستعاقب من قتل الأبرياء بالغاز”، ووزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، أكد أن استعمال الأسلحة الكيمائية هو فحش أخلاقي.
بوسعنا التساؤل عما إذا كان استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة (العراق) من قِبَل الولايات المتحدة فحشاً أخلاقياً أو عملاً “مقيتاً ومرفوضاً”. بالتالي يصبح أمراً مشروعاً الطرح المتعلق بمعاقبة أولئك الذين قتلوا الأبرياء بالغاز، كما دافعت عن ذلك فرنسا، مثل إسرائيل في غزة أو الولايات المتحدة في الفلوجة.
أن تتحدث عن الفحش الأخلاقي دولة قتلت وجرحت وعذبت وخطفت أو حبست بدون تهمة مئات آلاف الأشخاص، في العقد الأخير فقط، فهو أمر مثير للدهشة. أن تحاول قوى تشرع الخطف والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والسجون مثل غوانتامو تنصيب نفسها مرة أخرى زعيمة لحقوق الإنسان والحريات يبدو نوعأً من الهذيان. وأن يذهب حامل لجائزة نوبل للسلام للرهان مرة أخرى على الحل العسكري فهو أمر يظهر الإطار الغرائبي (الأورويلي) الذي نوجد فيه.
وسط متاهة المصالح الداخلية والإقليمية والدولية يوجد الشعب السوري، ضحية للعنف، داخل صراع يتحمل مسؤوليته أيضاً الأطراف الفاعلون الإقليميون والدوليون المتورطون منذ البداية.
في هذين العامين الأخيرين، تسببت الحرب في سـوريا في سقوط مائة ألف قتيل ومليونين من اللاجئين، أكثر من مليون منهم هم من الأطفال. لكن يبدو أن هؤلاء القتلى والنازحين لم يكونوا حتى هذه اللحظة “فحشاً أخلاقياً”.
ثمة الكثير من الأسئلة لا جواب عليها:
بأية كيفية ستساعد القنابل الغربية الشعب السوري؟
كيف سيتم تجنب سقوط ضحايا مدنيين (آخذين في الاعتبار السوابق المأساوية)؟
هل أخذ بعين الاعتبار أن الاشتراك المفتوح لعدة بلدان في النزاع قد يرفع مستوى المواجهة في المنطقة؟
كيف سيُحال دون استخدام المزيد من الأسلحة الكيميائية في المستقبل؟
وبعد هذين اليومين من الهجمات، ماذا؟ هل هي حرب الاستنزاف مرة أخرى، السيناريو غير المحدد، التدخل السري؟
أو على العكس من ذلك، المزيد من القصف، المزيد من الهجمات، المزيد من الحرب، في القرن الحادي والعشرين، كطريق نحو السلام، فيما يُدار الظهر لطرق أخرى، وسياسات أخرى؟

 

ترجمة: الحدرامي الأميني

http://www.eldiario.es/zonacritica/Siria-intervencion-ONU-rebeldes-EstadosUnidos_6_169443068.html

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...