GD Star Rating
loading...

أنا السوري الذي فقد هويته

أنا السوري الذي طُمست هويته مابين إجرام الأسد وبطش نظامه من جهة، ومابين إجرام داعش والنصرة ومن شابههما من جهة أخرى…

أنا السوري الذي صرخ في وجه الظالم.. ونادى بالحرية… وبذل الكثير والقليل ولكن ماعدت أعرف ما الذي حصل! لماذا سُلب صوتي؟ لماذا انتُهكت كرامتي المرّة تلو الأخرى؟

لم أعد أعرف مامعنى الإسلام ومامعني المسيحية بعد أن كنت أنتمي لأرض الديانات، بعدما أسهبت بالحديث المرّات والمرّات مع جميع البشر عن أرض الديانات… ماعدت أرى شيئا كما كان.. ماعاد الدِّين هو الدّين، ولا عادت الطوائف كما كانت… أَعِشنا يوماً على هذه الأرض؟؟ أَشرِبنا يوماً نفس الماء؟؟ أدرِسنا يوماً نفس الكتاب؟؟

أنظر اليوم إلى نفسي بعد ثلاث سنوات من الثورة… أشعر وكأني كبرت مئات السنين، وفقدت من روحي مئات أخرى…. ذاكرتي ماعادت تحتوي على تاريخي وأصولي وثقافتي والكتب التي قرأتها… ذاكرتي باتت تحوي أعداد الشهداء وصور المعتقلين والمعتقلات ومآسي المهجّرين وأعداد اللاجئين… ربّاه ما الذي حصل؟

أنا السوري الذي كنت أرى مدينتي ربما سجناً صغيراً، ولكني أحببتها حدّ الجنون عندما نُفيت منها في السنوات الأخيرة.. واحسرتاه، أحببتها عندما أصبحت رُكاماً… أتوق للعودة إليها… أُقبّل حجارها المنسيّة… أبكي أهلها… أرى الدماء تروي تُربتها…

أنا السوري الذي أضحيت أنتمي لبلد تدخّلت فيه كلّ الدول… وأرسلت مقاتليها وجهاديها إلى أراضينا، فما عدت أعرف السوري من غيره… أصبح السوري نسخاً مشوّهة من أهل ذاك البلد أو غيره… ماعادت نفس الوجوه، ولا نفس الأفكار، ولا نفس الملامح

أنا السوري الذي فنى عمره يدافع عن القضية الفلسطينية وعن حسن نصر الله وعن رموز المقاومة الخيّرة، وتكلّم عن العروبة حتى جُنَّ العرب عليه… ولكن الآن ما ضرَّه شيء بحجم العرب ولا بحجم المقاومة… بل أسفرت المقاومة عن تدخلها لقمع مقاومة الشعب المسكين… مافتئت هذه الرموز بالظهور على الشاشات والتباهي بقتل السوري الذي حضنهم يوماً وجعلهم إخوة…

أنا السوري الذي ظننت يوماً أنه من المستحيل أن يستطيع سوري قتل امرأة أو طفل سوري… أنا الذي ظننت أن دموع أمٍ أو تأوهات طفلٍ ستوقظ في قلب ذاك الجندي “السوري” كلّ إنسانيّته، وستلوذ به عن قتلهما… لكني ما أرى إلا قلوباً صنعها الصخر… ما أرى إلا جنودا يمطرون السوريين بالقنابل والبراميل المتفجرة والكيماوي والرصاص والهاون… كفى كفى… قتلتني أصوات إجرامكم… هل أنتم  مِنّا؟؟؟

أنا السوري الذي ظننت يوماً أننا شعبٌ توّاقٌ للحرية… وأننا إذا قمنا سنقوم قومة رجل واحد… لأرى أننا في تشعبات كثيرة… منحبكجي ومؤيد ومناصر للثورة سلمي وذاك مع الجيش الحر وذاك مع النصرة وذاك مع كذا وكذا…

أنا السوري الذي ظننت انني إن متّ يوماً، فسيتم إكرامي ودفني كما تدفن البشر… وأنه سيُصلّى عليّ كما العادة… أنا السوري الذي فقد هويته وضاعت معالمه وفقد روحه.

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...