GD Star Rating
loading...

ومع ذلك، نحن لا نعيش في الفصل الأول من سفر التكوين- لو تبعنا تسلسل الأحداث وترتيبها التوراتي – نحن نعيش مابعد السقوط. إننا نعيش في عالم من الألم يتفشى فيه الشر، أحداثه لا تعزز وجودنا، عالم لا بد لنا من مقاومته. وفي مقاومته فقط  تمنحنا هذه اللحظة الجمالية الأمل.”

جون برجر، الطائر الأبيض

3

قصص، مجموعة من سبعة أفلام قصيرة حية، سجلتها كاميرات الناشطين في بدايات الحراك وفي عدة مدن سورية، الرجل المسن الذي أرعب شبيحة بشارفي حلب، هكذا بدأت المجزرة،  أحد مدرسي القورية يمزق صور بشار داخل المدرسة، انتحار مواطن سلمي في سوريا، اطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين من قبل رجال الأمن، لأول مرة انشقاق تحت أضواء الكاميرة وإخراجهم، أم سورية تثأر لابنها بعد مسك قاتله.

الملفت في هذه مجموعة الأفلام هذه إبراز  دور الكاميرا في الفيلم التسجيلي كعين تشاهد وتشهد، وثيقة حية  تتحول من وجهة نظر إلى فعل التغييرذاته. المشترك بينها حضور غير حيادي لعدسة المصور تصنع الحدث كما ترصده في شراكة كاملة في الفعل الثوري الجريء.  يبرز هذا الأمر في كل عنصر من عناصر العمل فمثلاً لو توقفنا عند العنصرين المكاني والزماني للأفلام السبعة، فالترتيب مدروس ولافت. ترتيب يعكس رحلة الثورة: من أصل الحكاية، إلى الصراع على الحيز العام وامتلاكه، وصولاً إلى تحقيق العدالة. كما يلاحظ وبحسب هذا الترتيب انغلاق الأفق من المكان المفتوح والحيز العام في وضح النهار يحتله رجال الأمن بعصيهم وسياراتهم وتختبىء الكاميرا بيد  مصور مرتجف الصوت يوثق اسم الجمعة وتاريخها، مروراً بشوارع درعا يملأها الشباب، وشوارع القورية يمتلكها أطفال المدارس برعاية استاذهم،  إلى المكان المغلق والمعتم ليلاً:

حلب: مختبئة ترصد الشارع من علو( جمعة بروتكول الموت 23 ديسمبر 2011)،

درعا: في الشارع ومنه عين وصوت من الجموع الثائرة-  بينهم ومعهم (5أبريل 2011)،

القورية في دير الزور: تتبع  الشارع ومتظاهريه الأطفال إلى مدرستهم- و تتبع الأستاذ، الذي يقودها لتكون شاهداً على تمرده (ديسمبر2011)،

غير معروف: الكاميرا هنا عين لرجل أمن من الأسفل يصور زملاءه ورئيسه وفتى هارب يقف على على سطح بيت في حي شعبي (ديسمبر2011)،

دوما: عين الكاميرا في مواجهة عين البندقية وفي شارع يغص بمتظاهرين شباب قوات أمن تصحبهم كاميرات تلفزيونية رسمية وشبيحة (ديسمبر2011)،

 حمص: عين منهم في سيارة تعج بركابها، المنشقون التسعة والثوار،هاربين في الظلام (ديسمبر2011)،

غير معروف: عين الثائر ترصد قصاصاً عادلاً لأم تدخل ملجأ مظلم يجمع فيه الثواركل من قبضوا عليهم من شبيحة النظام والأم تبحث عن غازي، قاتل ابنها، ووجهاً لوجه معه وأخيه (يوليو 2012)

تكشف هذه المجموعة من القصص السبعة السينمائية البنية العميقة للثورة السورية في بداياتها… وتسجّل ارتفاع صوت الناس أفراداً، جماهيراً وجماعات، من الإهانة والقمع لرجل مسن وحتى االعدالة والقصاص على يد أم شهيد…نرى في الكادر ونسمع بالتتابع:

–           الرجل المسن رهن الضرب والإهانة و الاعتقال، ونسمع أصوات شباب: “عيفه.. عيفه” ولكن لا نرى سوى عصي رجال الامن وسياراتهم في الشارع.

–           الجمع المتظاهر الثائرفي شوارع درعا العامة باتجاه قوى الجيش والأمن تردد “الشعب والجيش إيد وحدة“، ثم صراخهم بعد إطلاق النارعليهم:” شباب.. شباب.. الله أكبر.. الله أكبر“. حامل الكاميرا هارب مذعور.

–           مونولوج المدرّس الغاضب يخرق عرف مدرسته، سلطة المديروسلطة الدولة بين أصوات التلاميذ” حرية للأبد غصباً عنك يا أسد”، حاملاً علم الثورة يدخل غرفة المدير ويمزق صور الاسد: “نحن شعب حر… لا نرضى لا نقبل أن يكون السفاح رمزاً لأطفالنا رمز لأفكار البعث المهترئة “.

–           جميل، الشاب الخائف، هارباً من رجال الامن وشبيحته على سطح منزل يحاول الانتحار بينما العميد عصام جاكيش يتبادل معه حواراً لاقناعه بتسليم نفسه: “اللي بده يتظاهر بده يكون رجال ما يخاف.. يا ناس يا جيران يروح معي منحقق معه وبكتّبه تعهد وأنا برجّعه بإيدي لهون.”

–           الفوهتين: عين الكاميرا وعين البندقية، بمصاحبة كاميرات القنوات الرسمية يحاول الشبيحة ورجال الامن  منع المصور من رفع لافتة تحمل مكان وزمان اللقطة لتوثيق المشهد. نسمع أصوات شباب دوما، تحاول إلهاء الأمن عن مهمتهم، “هي دوما ها ها- حرية للأبد غصباً عنك يا أسد… خاين خاين اللي بيقتل شعبه خاين، بالطول بالعرض بشار تحت الارض…” تشتد الاشتباكات وتضطرب الكاميرا هاربة مرة اخرى.

–           في عتم دامس لا نرى سوى ضوء القناص من بعيد، ثوار حمص في عملية تهريب جنود منشقين في السيارة:”يللا شباب عم نحاول ننسق ونأمن أكبر عدد منهم.. صاروا تسعة.. من وين أنتو.. من الغوطة… الحمد لله على السلامة انشالله بتوصلوا لأهلكم سالمين”.

–           في العتم و والصمت… تظهر أمّ بين الثوارتبحث عن قاتل ابنها الشهيد: “… ورجوني غازي وأخوه أحمد وينه.. أحمد أخوك وينه، إنت غازي…” تصفعه وتبصق على وجهه:…  … يرد رجل: قتل لها ابنها.. تصفعه وتبصق على وجهه:  إنتم ما بتعرفوا الله.. عبيد الأسد.. يرد غازي مطرقاً: “والله كنت بالشغل.. .”

يغلق الفيلم السابع، أم سورية تثأر لابنها بعد مسك قاتله، دورة الخلق هذه، وفيها ولد السوري حراً من خوفه قادراً على مواجهة القاتل. قصص من الفن السابع، تعزز ليس فقط يقيناً بما حدث، بل تسجل  شهادة بالصوت والصورة- فعل التحرر من الخوف أي “فعل المقاومة، وبهذا تعزّز الأمل” (برجر).

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...