GD Star Rating
loading...

ومع ذلك، نحن لا نعيش في الفصل الأول من سفر التكوين- لو تبعنا تسلسل الأحداث وترتيبها التوراتي – نحن نعيش مابعد السقوط. إننا نعيش في عالم من الألم يتفشى فيه الشر، أحداثه لا تعزز وجودنا، عالم لا بد لنا من مقاومته. وفي مقاومته فقط  تمنحنا هذه اللحظة الجمالية الأمل.”

جون برجر، الطائر الأبيض

2

طرق في الرؤية

كيف للسوريين وهم يعبرون هذه الأهوال أن يحيطوا بأوجاعهم وجراحهم المتقرّحة… كيف لهم أن يستمدوا معنى جديداً من درب الآلام العظيم هذا، كيف لهم أن ينتصروا على ضعفهم، أن يتماسكوا ويتمسّكوا ليصلوا غايتهم؟

لغتنا تعجزعن الإحاطة براهن ملاحم الشقاء – من الجوع والتهجير والتشرد والتشرذم، وبدورنا نعجز كأفراد سوريين عن رؤية طريق الخلاص أمامنا فنركب قوارب الموت فعلياً ومجازياً ايضاً، وقد تقود إلى برآمن أو التهلكة. وبالحالين ونحن نشيح بصرنا تدريجياً عما مضى لا مفر لنا من استرجاع صور البدايات من الذاكرة القريبة علّها تسعفنا ببعض الحيل لنتغلب! لا بدّ لنا من الالتفات إلى حيث غادرنا للتو، ولو لبرهة!

الكاميرا سلاح: معنا وعلينا

لا شك أن التحدي الأصعب في قراءة الثورة السورية هو مقاربة دوروأهمية المصور/ الثائر، تحت الحصارفي ظل إرهاب وقمع الدولة الأمنية، في علاقته من جهة مع وسائل الاتصال الحديثة الإعلامية منها والفنية، ومن جهة أخرى مع الحراك الثوري كجزء عضوي فاعل فيه، كما شاهد آني وناقل له (فاعل/ منفعل به أو تابع/ غيرلاحق به).

في السنتين الاولى والثانية من عمر الثورة، كانت عدسة الكاميرا -عين الثائر-  في المقدمة إذ علّمتنا درساً في انتزاع حق المواطنة الأول، حق التعبيرعن الذات وعمن يحيط بها، وحق نقل التجربة من خلال رؤيتها الخاصة،  كما حق انتزاع الفضاء العام والخاص وإعادة تشكيله.. حرة من كل قيد… إلا ما تختار أن ترى. تجلت القدرة الاستئنائية لحامل هذه الوسيلة الفنية حين أصرّعلى مواجهة الرصاص والموت من أجل أن يكشف أمام أعيننا ولحظة بلحظة  انهيار وتحلحل السلطة القمعية. (كما في قصص)

ولكن مع بداية هذه السنة، تراجع دور الثائر/ المصور لأسباب كثيرة، بعضها يتعلق باكتساب النظام مزيد من الخبرات التضليلية بمساعدت شركات إيرانية وأخرى عالمية، ولكن ما يعنينا هنا الأسباب المتعلقة بالطرف الثائر وهو يواجه صعوبات حقيقية، أكثرها لا سلطة لنا عليها:اعتقال أواستشهاد ألمعهم، التحوّل النوعي في الصراع مع ما رافقه من تشرذم للكتائب المسلحة وقد انعكس هذا على من التحق بها من إعلاميين فتشتت الخطاب، سيطرة وتوجيه وتمويل القنوات الفضائية الخارجية وأصحاب المال السياسي للعمل الاعلامي….. من نتائج هذه الصعوبات، ليس فقط الضعف الواضح في مواجهة واستثمار مواد خام حية وحقيقية موجعة في نقل رسالة واضحة لا لبس فيها إلى السوريين أولاً وللعالم من بعدهم، بل الأهم تضاءل القدرة على التحررمن كليشيهات إيدلوجية وفنية تقتل المعنى لصالح الكثير من المراهقة السياسية.

مواطن يحمل كاميرا بعروضه الستة: قصص، البحث عن الحقيقة، حوار، رسائل، مسرب- صورة الذات، اللحظة – السياق، أفلام في غاية الأهمية، صادقة وغنية واستثنائية لقدرتها على تركيب الحكاية الواعدة والملهمة التي عشنا. قد تسمح لنا بمزيد من التأمل، فالحاجة ملحّة اليوم لإعادة النظر والمراجعة الصادقة، فرصة للرصد، بالمقارنة، ما قدمه المصورون الثوار في السابق وما يقدمه إعلاميو الثورة اليوم، فرصة للبحث وتشخيص الخلل علنا نتمكن من جديد من إيجاد ذاك الهامش الضئيل الذي خبرنا التحرّك فيه والتحرّر عبره.

 http://www.idfa.nl/industry/idfa-tv/theme-programs/DOX-BOX-2013.aspx

تطرح هذا الأعمال المتميزة  بعض الأسئلة التي لا بد من التفكير حولها:

1-     لقد تمّ اعتماد زمن النشرعلى اليوتيوب وليس الزمن الواقعي أو زمن الحدث و التصوير، وخصص حيز بلوحة تقديم كل فيلم لتسجيل عدد المشاهدات على اليوتيوب حتى حينه وقد تجاوزت في بعضها 20000 مشاهدة.

2-     كثير من الأفلام المقدمة في التظاهرة لا نعرف اسم مصورها، وبعضها مجهول المكان. ولكن كمتفرج عند استعادة فيديوهات وشهادات البدايات، هاجسي الأكبر، وهذا مؤلم، هو السؤال المعلـّق: هل مازال هؤلاء الشجعان: المتحدث، المصور، المتظاهرون أحياء أم لا، من بقي منهم ومن غادر؟ أما عن المكان فكثيرة هي الساحات قد تحولت خراباً. هذا بحد ذاته قيمة مضافة لتجربة فرجة جديدة وغريبة إذ تجعل الموت يتنافس باستمرار مع رسالة الفيلم كفعل مقاومة وكشف ويهددها.

3-     بالتأكيد هذا يضعنا أمام تحدٍ كبيرومسؤولية توثيقية متعلقة بتشكيل وصياغة ذاكرة جمعية لمن عاصر الثورة ولأجيال قادمة.  حتى الان هناك فوضى طبيعية ومتوقعة في طرح كل ما يرد، ولكن لا بد من التفكير جدياً بمشاريع تنظم هذا الكم وهذه الذاكرة لتسهل قراءتها والبحث فيها مستقبلاً.

4-     إلى أي حد يمكن للصورة الفوتوغرافية الثابتة أن تستعيد اليوم وفي هذه المرحلة من عمرالثورة سلطة القول الفصل وتنافس بل قد تتغلب على الفيلم الوثائقي أو السينمائي، كوثيقة تسمح بالتأمل وتكسر البلادة والعادة التي رسختهما ساعات طويلة من البث التلفزيوني.

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...