GD Star Rating
loading...

ابتسم

لاورا بارو- صحيفة الباييس الإسبانية

بيروت لبنان- وسط الكثير من الجلبة، لا تفتح فاطمة فمها؛ تخفض نظرتها وتنهمك في البحث عن الألوان لرسم الياسمين، نبتتها المفضلة. ترسمها حمراء، زرقاء، وردية، صفراء، كما لو أنها تخترع عالماً تحقق فيه الزهرة البيضاء توقها إلى قوس قزح. بعد بضعة أطفال، يستعمل بشار قطعة كرتون لخلق منظوره الخاص لـ “الطبيعة الميتة”، الذي يعنونه بـ : مرج مع بيت في الخلفية. هناك في الرقة، من حيث جاء قبل عام، لم يبق له لا مرج ولا بيت. كل مايملكه الصغير الآن للاستلهام يوجد داخل الجدران شبه المتداعية لمنزل كبير قديم يُعرف بـ “مخزن البصل”، في الفيضة، البلدة الصغيرة في وادي البقاع الشرقي بلبنان.

“لا أتذكر الكثير عن سـوريا”، تتوقف منهيةً كلامها فاطمةُ المنافسة المتفوقة، ذات الاثني عشر عاماً، في هذا النوع من مسابقات الرسم المُصمَّمَة من قِبَل أعضاء “ذاكرة”، الجمعية اللبنانية المتخصصة في تنظيم المشاريع التي تكون الصورة فيها أداة ومفهوماً. الجائزة: ترك الخيال محلقاً خلال يومين مع إحدى آلات التصوير بين اليدين. المسؤولون في “ذاكرة”، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) التزموا بتقديم خمسمائة كاميرا (أحادية الاستخدام) إلى خمسمائة طفل سوري لاجىء في لبنان من أجل أن يكونوا هم أنفسهم من يرسمون يومياتهم بدون مدارس، بجواربهم المتسخة، وفرشهم تحت الأسقف البلاستيكية في الخيم المنصوبة في الطين.

المنافسة هي محض إجراء شكلي. “من خلال رسوماتهم نقيِّم مهاراتهم ورؤاهم”، يشرح أسامة أيوب، المصور الصحفي والمؤسس المشارك لـ ذاكرة، “لقد ركزت على فاطمة، مع زهراتها وكل أدواتها، لأن لقطتها جيدة جداً”. عند قدميها، محيطين بغطاء يفصل الأوراق عن الأرض، يتشاجر اثنا عشر من الأطفال بين السابعة والثانية عشرة من أعمارهم على الإمساك بالشموع فوق البلاستيك. “بعضهم ضائعون”، يعلق أسامة، “لكنهم سيتداركون الأمر، أما الآن فإن ثلاثة أو أربعة منهم يبدون بالفعل قادرين على رؤية الأشياء للتصوير”.

“لحظة2″، كما يُسمى المشروع، يسعى إلى رؤية ما تصفه الأمم المتحدة بأكبر أزمة للاجئين في التاريخ المعاصر بعيون أخرى، بريئة، غير منحازة. الـ 2 في الاسم يعزز البرنامج. “لحظة”، اختُبرت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تعيش ذرية النكبة منعزلة بلا مستقبل، بدون مواطنة، ومع الذنب المنسوب إليها بإطلاق خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).

“نعتبر أنها كانت مشروعاً ناجحاً”، يدعي رمزي حيدر، المنظر الإيديولوجي لـ “ذاكرة”، “رأينا النتائج الإيجابية في الأطفال (الفلسطينيين) ونعتبر أن من المناسب إعادة المشروع في 2013 مع الأطفال السوريين اللاجئين”. يونيسيف التقطت العصا. “وجدنا بعضنا البعض”، يضحك حيدر، المحمل بأكثر من ثلاثين عاماً من صور الحرب في العدسة وفي العين. المبادرة لها ثلاثة ركائر أساسية: الاتصال، التمكين، التوثيق. “الأثر الإيجابي الأول مع (لحظة) كان التواصل بين الأطفال الذين يعيشون في المخيمات” يوضح، “رغم أنهم يعيشون بالقرب من بعضهم البعض، في المنطقة نفسها، إلا أنهم يأتون من خلفيات مختلفة، فلا يتفاعلون؛ هذا المشروع يقدم لهم شيئاً مشتركاً، حيِّزاً من أجل الالتقاء والتواصل من خلال الكاميرا”. في الوقت نفسه، بطريقة بدائية، يوفر المشروع لهم أداة جديدة للتعبير عن أنفسهم ويقدم لهم نظاماً جديداً. النتيجة هي خمسمائة صورة في الحد الأدنى مأخوذة برؤية فريدة، “مختلفة عن تلك التي لمصور محترف أو لمصور صحفي”، حسب حيدر، والتي ستسافر لاحقاً عبر العالم مطبوعةً في كتاب ومجموعةً في معرض متجوِّل.

فيما تنتظر لرؤية اسمها مطبوعاً في الكاتالوغ، تبذل فاطمة قصارى جهدها في التعود على الكاميرا. تسير بدون أن تنفصل الآلة عن الوجه، دامجة عينها بالهدف، بينما يحوم من حولها المتعطلون منتظرين التحول إلى أبطال لبعض من لقطاتها. بشار، الذي يعجبه التسلق، كان قد اعتلى الجدار الأكثر ارتفاعاً في المكان المُسوَّر بحثاً عن رؤية أشمل من عل.

مخيم الفيضة هو واحد فقط من الـ 33 مخيماً التي زارتها الجمعية في البقاع فقط. إليها تضاف مخيمات أخرى كثيرة في شمال لبنان وجنوبه وفي منطقة بيروت وجبل لبنان. في المجمل، ما يقرب من مائة من المستوطنات غير الرسمية التي ترفض الحكومة تصنيفها كمخيمات للاجئين. ثلاثة أعوام من الحرب في سوريا خلَّفت مليوناً من اللاجئين في هذا البلد “لبنان” (اثنان من كل خمسة من المليونين ونصف المليون من الأشخاص المنتشرين في المنطقة كلها والمعادل لـ 22 بالمائة من حوالي 4,5 مليون لبناني). النصف تقريباً هم من الأطفال، حسب سجلات وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وهؤلاء معتادون على الأكل، البكاء، وحتى اللعب في بعض الأحيان.

“يعجبني لبنان” تؤكد فاطمة، “نلعب كثيراً مع الأصدقاء، وخاصة “لعبة التخفي” “. تضطلع بالمسؤولية عن ذلك هبة شعبان، المتطوعة في ذاكرة ومنسقة النشاطات التي ينظمونها مع الأطفال للترفيه عنهم. “كل يوم نذهب إلى مخيم، أولاً نعطي الأطفال الأوراق والألوان، وإلى الأصغر من 7 سنوات (الذين لا يشملهم المشروع) نعطيهم دفاتر للتلوين”، كما تقول. “في بعض المرات، مع مجموعة من الأطفال، نرقص، نغني، ونمضي الوقت معاً، وإذا كانت لدينا حالات خاصة، نحاول مساعدتهم، إذا استطعنا”. “في نهاية اليوم، نعطيهم رزمة من الثياب: جاكيت، جوارب، أحذية”.

“التقينا بأطفال لا يعلمون شيئاً عن أُسرهم”، يروي حيدر، “في لحظة ما فُقدوا، والآن يعيشون مع أشخاص آخرين”. المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أحصت ما يصل إلى 3500 طفل لاجىء وصلوا بدون آبائهم أو أن الحرب جعلتهم أيتاماً، في لبنان فقط، البلد الذي اكتشف فيه عدد مخيف من حالات سوء التغذية”. إنه “تهديد صامت”، كما يصفه تقرير اليونيسيف المنشور في أواخر شهر أيلول| سبتمبر، “مرتبط بنظام صحي ضعيف، مياه شرب غير صحية، أمراض، نقص التحصين، وممارسات تغذية غير ملائمة”. في العام الأخير فقط تضاعف مرتين عدد حالات سوء التغذية في لبنان، متجاوزاً المستويات التي تعدها منظمة الصحة العالمية “مقبولة” (ما بين 5 بالمائة و10 بالمائة؛ معدل انتشار سوء التغذية لدى الأطفال السوريين في لبنان هو 5,9 بالمائة).

حيدر، الذي بدأ مسيرته المهنية مصوراً الحرب في وطنه، يعترف أن تفرغه لـ “ذاكرة” و”لحظة” هو تقريباً سداد للدين، ولأجل البؤس المصوَّر في العراق، اليمن، تشاد، الجزائر أو ليبيا. “إنها مصالحة مع الذات”، كما يؤكد، “كمصور صحفي لم أهتم كثيراً بالصراع بقدر ما اهتممت بالواقع المعاش، الذي هو الدمار والموت، لأن المقاتل والجندي هم في مكان آمن، خلف المتاريس، حيث لا يسهل الوصول، لكن ما تراه فعلاً هو نتاج أسلحتهم”. “الصورة الفوتوغرافية، يواصل كلامه، “لا تحقق التأثير اللازم في الناس، فلو كنا متأثرين بالفعل بتلك الصورما كنا لندخل في الحرب مرة تلو المرة، وما كان العالم ليمتلأ بالحروب”. “الناس، ببساطة، تنظر إلى الصور وبعد ذلك ترميها جانباً”.

في الفيضة، بعد وصول الموكب، الأطفال هم من “يطلقون”. اشتعلت حمى التصوير وملكة، ذات الأربعة عشر عاماً (خارج المشروع)، قررت أن تحقق رغبتها في التصوير. تكاد تنتزع الكاميرا من أيدي أي غريب يسير بمنطقتها مشيراً إلى الهدف. تصبح في مزاج قيادي عندما تتمكن من الحصول على كاميرا مستعارة وتبدأ بالدق عليها بشغف، بدون انتظار تلقي التعليمات. الصور التي التقطتها حفظتْ في الذاكرة زملاءها، البعض منهم تصنّع وضعية الوجه المذهول، وأخريات “دلُّوعات” يستغللن شعاعاً من الشمس لجلب النظارات الشمسية. “لقد حرموهم من كل حق، يصِلون فزعين، ويعيشون، في بعض الحالات، مروَّعين”، يأسف رمزي حيدر، “بطبيعة الحال، هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى ما هو أكثر من آلة تصوير، لكن هذا ما نستطيع نحن فعله”.

 

———-

ترجمة: الحدرامي الأميني

المصدر: هنا

 

 

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...