GD Star Rating
loading...

بريد سوريا 1960

مؤخراً – أي منذ ما يزيد على السنة و النصف – كلما جلست لأحادث (صديقاً أو صديقة، زميلاً أو زميلة ….. الخ، إن كان مواجهةً أو باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي)، جرتنا ألسنتنا – و دون وعيٍ منا – إلى اجترار ذكريات الأيام الماضية؛ أي قبل الثورة، الأزمة، الحرب… الخ، أو الكلام عن الأزمة الحالية. يتنوع الاجترار بين ذكريات الجامعة – و التي كانت الأكثر حضوراً إلى الذهن – الأحبة القدماء، السهرات، و النزهات. بدايةً لم أر في الأمر ما يريب، فليس الحنين إلى الماضي شيئاً جديداً على الناس عامة و على العرب المنغمسين فيه – أي الماضي – خاصةً، إلا أنني و بعد مدة من الزمن، أخذت أشعر كما لو أنني قد بلغت الستين أو السبعين من عمري، و غدوت كجدي الذي يقول لي قصةً في الصباح و يعود فيكررها مساءً و أبدي أنا دهشةً و استمتاعاً احترفته بعد رؤيتي لخيبة أمله عندما أشرت مرةً إلى تكراره لإحدى القصص.

مرد ذلك كما استنتجت بعدها يعود إلى كوني قد تحجرت أو بالأحرى تجمدت فكرياً و عاطفياً في الفترة ما قبل الأزمة، و لم يعد هناك من جديد في حياتي خارجها، فلا الطعام و لا المسكن و لا حتى المعارف الجدد تستطيع الاستقلال و لو للحظة عن ارتباطها بهذين الأمرين (الأزمة و ما قبلها).

الشعور بكبر السن أصبح يضرب جذوره فيّ و من حولي. جذورٌ غدت ضروريةً لاستمرار بقائنا، أو على الأقل بقاء تواصلنا. و على سبيل المثال، إن بدأنا الحديث عن مباراة في كرة قدم بين فريقين أوروبيين، ستجري الأسبوع القادم، وسألني صديقي أين ستشاهدها، و أخبرته في المقهى الفلاني، هنا أشعر بعد انتهائي من لفظ اسم المقهى و كأن صاعقةً ضربت رأسه فجعلته خالياً مما عدا ذكريات حضورنا للمباريات قبل التشرذم السوري، فيسترسل في استحضار كل ما تجود به عليه ذاكرته التي تحولت – ككثيرٍ من السوريين – إلى بئرٍ لا تنضب. الذي يزيد الأمر غرابةً هو انضمامي إلى تلك البئر و الحفر إلى أعماق جديدةٍ فيها، لتمضي الساعات و نحن نناقش أحداثاً كنا قد خضنا فيها عشرات المرات مسبقاً.

الجامعة قصةٌ أخرى و روايةٌ روسيةٌ ألفية الصفحات كبيرتها، صغيرة الخط، و سطورها متلاصقة. شغل كل ما سبق حيزاً كبيراً من تفكيري أثناء تجولي في الريف اللبناني الذي نزحت إليه و أخذت أحلل – كوني تدربت على التحليل العلمي بسبب دراستي الأكاديمية – الكلام المتبادل و أدرب نفسي لأكبحها عن الغوص في أعماق محيط الذكريات، فنجحت في التحليل و فشلت ذريعاً في الكبح.

خلصت بعد تحليلي إلى نتائج أعتبرها الأهم في بحثي عن أسباب الرضوخ لسجن الماضي:

تكشفت لي أولى الأسباب بعد محاولاتي العديدة لإنشاء علاقات و صداقات جديدة في بلد النزوح القاسي و القاسية إما مع مواطني البلاد الجديدة (من لبنانيين و فلسطينيين) أو حتى مع النازحين من أمثالي. كان مآل المحاولات مع الطرف الأول مآلاً مخزياً و مرعباً في نفس الوقت؛ إذ اكتشفت – أنا الذي لم أضع قدماً في لبنان قبل الأزمة – أن الشعب اللبناني – بسنته و شيعته، و حركة مستقبله، و أمله و و و – يكرهنا و يحقد علينا إما بسبب أفعال الجيش السوري في لبنان (المعارضون لبشار الأسد)، أو لأننا خربنا بلادنا بأيدينا كما يرى مؤيدو بشار الأسد. الفلسطينيون الشباب كانوا أشبه باللبنانيين من حيث انقسامهم إلى فئتين معارضة و موالية لبشار الأسد، أما كبار السن من الفلسطينيين، الذين و رغم أن فيهم المؤيد و المعارض أيضاً، كانوا أكثر تعاطفاً، كونهم ذاقوا مرارة التشرد و عدم الانتماء، مع أنها كانت أكبر بكثير من تلك التي نعانيها (حتى الآن طبعاً)

الفئة الثانية كانت أكثر وداً بطبيعة الحال إلا أنها لم تكن لتروي العطش الكبير للانتماء

و سأشرح ذلك بقصةٍ حدثت معي في أحد المساجد:

جلست بعد صلاة العشاء، لأتجاذب أطراف الحديث مع بعض المصلين – من السوريين بالطبع – و غني عن القول أننا خضنا في الكلام عن الأزمة السورية، بصوتٍ خافت بالطبع و ذلك خوفاً – من قبلهم إذ انني أكتب و أتحدث على الإنترنت و في الشارع باسمي الحقيقي فقد تركت الخوف بعد المظاهرة الأولى – من أن يسمع جاسوسٌ لحزب المسمى بالسيد حسن – و قد أغفلت كتابة اسم الجلالة لئلا أقرنه بحثالةٍ كهذا. بدأنا بالأسف و الحزن على من مات من السوريين و كلٌّ يذكر الذين فقدهم راجياً من الله أن يتقبلهم كشهداء. انتقلنا بعدها إلى الكلام في السياسة – أو و لأكون صريحاً مناقشة ما بثته نشرات الأخبار. الكلام المعتاد عن المعارضة و النظام، عن المظاهرات السلمية و التسلح، ليتحول الحديث بعد هنيهاتٍ تحولاً جذرياً، و ذلك بعد أن ألقى أحد المتكلمين بقنبلة حيث قال: ((على جميع الفئات المسلحة مبايعة جبهة النصرة)) ثم أخذ الجمع من حولي يحركون رؤوسهم صعوداً و نزولاً علامة الموافقة، يا اللهول!!

بعد هذه الجملة بدأت أنا أتلفت الآن و أتكلم بصوتٍ خافت و مرد ذلك ليس خوفاً من الحزب هذه المرة و إنما ارتعاداً من أن أحسب أنا على جبهة النصرة و المتشددين، تمتمت ببعض الكلمات و اعتذرت مغادراً الجلسة إلى غير رجعة.

في الأيام اللاحقة أخذ الناس في المسجد يتحزبون إلى فئات دينية تتدرج في تطرفها؛ فالمتعصب لجبهة النصرة و المكفر لما دونهم، و المنادي بالسلفية و وجوب تقصير اللباس و إرخاء اللحية – الأمر الذي تلقيت عليه العديد من الملاحظات السلفية كوني غير ملتحٍ – إلى المطالب بالعودة إلى حظيرة الأسد كونه الإمام الذي لا يجوز الخروج على طاعته إلا إن منع الصلاة. هذه المشاهد و غيرها دفعتني إلى الانسحاب تدريجياً من ارتياد المساجد تجنباً للتعامل مع “هيك نمر”، ناهيك عن المضايقات العديدة الناتجة عن محاولة كل فئة لجر من يرتاد المسجد إلى طرفها.

الشرائح السورية “الأخرى” لم تكن أكثر نبلاً و لم تختلف بالكثير، فرجالات الإئتلاف السوري: حدث و لا حرج، و المتعاطفون مع الجيش الحر من منشقين و جهاديي الكلام: لا تحدث لأن الحرج سيكون هائلاً، و غيرهم الكثير في العدد، القليل في أصالة الأفكار.

كل ما سبق جعلني أعيد الحسابات في استغرابي من الاجترار للماضي و الذي أمارسه مع الأصدقاء و الزملاء، إذ أنه قريباً جداً – و في حال توقفنا عن هذا الاجترار – فإننا سنجد أنفسنا فجأةً بلا ذكريات عزيزة، مجردين من كل شيءٍ خلا الأزمة و الموت و القتل و سفك الدماء و التكفير و النصرة و الجيش الحر، و المعارضة، و بشار الأسد… الخ من المقززات.

سنفقدها لأنها ستضطر إلى التنازل عن عرش ذاكرتنا لتفسح المجال لتذكر:

1- رؤساء المجلس الوطني و الإئتلاف المعارض.

2- أنواع الأسلحة التي يستخدمها بشار الأسد ضد الشعب السوري: (أنواع الطائرات من ميغ و سوخوي…، الغازات السامة من غاز الخردل و الأعصاب و السم الهاري، أرض أرض، جو، سما، جهنم…

3- التحليلات العسكرية و السياسية و التنبؤات بسقوط الأسد أو بقائه.

4- قلق بان كي مون، و توجس كيري، و أسف كاميرون، و اشمئزاز أولاند.

و غيرها الكثير و الكثير من الأشياء التي ستنسف حياتنا كسوريين و تنسف أي أملٍ لنا بأن نحيا.

خوف أخير:

خوفي الكبير أن أعود يوماً إلى سوريا فأراها تجسد فيلماً لأحد السيناريوهات الكابوسية التالية:

1- أفغانستان جديدة؛ حيث يتم تغطية النساء من رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن رغماً عن أنوفهن، و تكون عقوبة الكشف عن الوجه: 80 جلدة.

2- أن يهدم الملحدون الجدد و المنادون برفض الأديان المساجد و الجوامع بحجة الخوف من السيناريو المذكور آنفاً (1).

3- أن أعود مع أحفاد أخي و أختي فأرى حيدرة الأسد أو ليث الأسد أو “ضراب السخن” من بيت الأسد يحكم البلاد و الناس ينادون: بالروح بالدم نفديك يا أسد.

و الآن أترككم لأعود إلى اجتراري اللانهائي لذكرياتٍ أخاف عليها من الضياع.

—————

محمد حجو

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...