GD Star Rating
loading...

لا نستطيع أن نتطلع إلى نهضة حقيقية ومازال مفهوم العمل الصالح موؤود في أذهاننا.. لا يمكننا أن ننهض بيد ونحن نوئد العمل الصالح باليد الأخرى.. وذلك عندما نحافظ على المعنى الشائع في أننا لننال الفردوس يكفي أن نكون مؤمنين قلبياً وممارسين للشرائع (التي هي الركن الأساسي للعبادات)، لأن بهذه الطريقة نختزل الدنيا إلى حد معكوس قاتل: فمادام الإنسان المؤمن والمؤدي للعبادات سيدخل أعلى درجات الجنة “الفردوس” (وهذا يعني ضمنياً أنه حصل على أعلى علامة وبالتالي أبدى الجهد العالي المطلوب منه في هذه الدنيا)، فلماذا يُتعب نفسه بأشياء مادية دنيوية لن تفيده في شيء إلا ببعض الشكليات التي يمكن الاستغناء عنها؟ فهو بدونها يؤمن بامكانية دخوله الفردوس، أو على الأقل مرتبة متقدمة من الجنة؟

ما الذي سيجعل الإنسان المؤمن والمؤدي للعبادات يلتفت إلى دراسة الفلسفة وعلم المنطق وأداب الفن وعلم قوة الشكل “الكريزما” وعلم الجينات والتعديل الوراثي ودراسة التخطيط والتفكير الاستراتيجي ودراسة الطاقات المتجددة وعلم الاستدامة وأصول بناء الدول وعلوم النانو ودراسة أصغر الجسيمات الفيزيائية ومحاكاة الانفجار الكبير لمعرفة كيفية خلق الكون ودراسة علوم الأمواج الكهرومغناطيسية والتحكم عبر الأقمار الصناعية ودراسة قانون جاذبية الكواكب وعلم انحناء الزمكان والصعود إلى المريخ ودراسة المجرات القابعة في الطرف الآخر من الفضاء ودراسة علوم الاحتمالات وقوة التنبأ، إن كان بدونهم سيدخل الفردوس؟

قد نتفق أن الدين يحثنا على طلب العلم وأن العلم فريضة على كل مسلم ويجب أن نطلبه حتى ولو كان في الصين، لكننا نؤمن بالوقت نفسه أن المتدين المؤدي للعبادات بشكل صحيح سيدخل الفردوس حتى ولو لم يدخل في تفاصيل العلم أبداً.. قد نتفق أن العلم هو عبادة، لكننا سرعان ما نكرر أن الفرائض هي الجزء الجوهري الرئيسي للعبادات، فيكون العلم بالتالي من الثانويات والكماليات.. المشكلة أننا نؤمن أن العلم فريضة، لكننا بالوقت نفسه نسمي دراسة الثانوية علم فيكون الحصول على الشهادة الجامعية هو أمر يُثنى الشخص عليه..

يبقى ذلك السؤال هو المسيطر: لما تضييع الوقت على أشياء ثانوية “كماليات” ونحن بهذا الوقت نستطيع أن نضمن بيت في الجنة عبر أدائنا لسنة ما؟ ما الذي سيجعل الإنسان المسلم يصرف جل وقته (الذي يجب أن يخصصها في العبادة والتفقه بأمور الدين) في دراسة الحركات الاهتزازية الجزيئية في الشبكة البلورية لعنصر كيميائي ما، أو مراقبة الأمواج الصوتية التي يصدرها الثقب الأسود القابع في اللانهاي، أو دراسة طبقات الأرض الجيولوجية لمعرفة درجة الحرارة وشكل الظروف المناخية قبل ألفي عام، إن كان مع كل تسبيحة يطلقها وهو جالس يضمن نخلة في الجنة؟

تضخمت فكرة الآخرة في رؤوسنا، حتى انفصلت تماماً عن الدنيا.. واقتنعنا، أن هناك احتمالين لا ثالث لهما: إما أن نكسب الدنيا ونخسر الآخرة كما يفعل الغرب، أو أن نخسر الدنيا لنكسب الآخرة كما نفعل.. لا حل ثالث إطلاقاً، إما هذا أو ذاك.. فلا تجتمع سعادتين لإنسان..

وبالتالي أصبحنا نرى الدنيا على أنها مكان شر “دار ابتلاء” كونها تفتننا وتلهينا عن الآخرة عبر إعاقتنا عن فعل العمل الصالح “الفرائض والسنن”.. رافق هذا فكرة أن دراسة القرآن “وحده” يكفي للوصول إلى الحياة المثالية في الدنيا وضمان الفردوس في الآخرة، بمعنى أن الإنسان لا يحتاج لقراءة أي كتاب آخر من تأليف الإنسان ليحسّن من طريقة عيشه، علموه أن إيمانه بالقرآن يشترط عليه أن يكب كل شيء آخر بما فيها تجارب الشعوب، فنتجت لدينا كنتيجة منطقية فكرة الاستغناء عن العلوم المادية وكل ما توصل إليه الإنسان من علوم وتجارب وخبرات مادامنا مقتنعين أن القرآن هو المنهج الوحيد والأوحد للإنسان، ودراسته “وحده” سيضمن المرء دخول الفردوس والحياة المثالية على الأرض..

وهكذا كان من السهل بعد هذا أن نزدرء الغرب ونرى أنفسنا أحسن وأخير منهم ونحن قابعين في الدرك الأسفل من السلم الحضاري فقط لمجرد تأديتنا للعبادات متذرعين بالمنطق التالي: أننا نحن ومع تخلفنا وجهلنا فلنا الجنة، أما هم فمع تقدمهم وعلمهم وحضارتهم فلهم النار.. فبماذا نفعتهم؟
فاقتنعنا بأننا الأذكى، ووضعنا جيد لا يحتاج إلى تغيير: كوننا لم ننخدع وننفتن بالدنيا ونلتهي بها كما فعلوا، فالدنيا جنة الكافر ونحن بعناها مقابل الآخرة.. ولم نخسر شيء مادامت الدنيا أساساً لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فلما الاهتمام بها؟ ولما تضييع الوقت على أشياء ثانوية لا تقدم ولا تؤخر ولا تلعب الدور الرئيسي بتحديد منزلتنا ومرتبتنا في الآخرة؟

هكذا مع مرور الوقت وتكريس هذه المفاهيم وصلنا إلى هنا، إلى الدرك الأسفل وقاع الدنيا.. عبر ذلك الخطأ الذي وقعنا فيه عندما صنّفنا العبادات تحت العمل الصالح: فجنة الفردوس وفق النص القرآني هي للذين أمنوا وعملوا الصالحات، فنكون بإيماننا وقيامنا بالعبادات قد اقتربنا جداً من الفردوس، ما علينا إلا أن نخلص النية ونركز في العبادات أكثر..
بينما العبادات حسب المفهوم القرآني هي من ضمن الإيمان، فلا تطلق كلمة الإيمان “مؤمن” إلا على شخص يؤدي الفرائض ويمتنع عن النواهي (راجع مقالتي: توأم الإيمان الموؤود. تقدم دراسة كاملة حول هذه الفكرة)، وبذلك يكون العمل الصالح المقصود قرآنياً شيء مختلف تماماً عن العبادات “أداء الفرائض والسنن”..

المعنى الشائع للعمل الصالح في كون أداء الفرائض والسنن هو الجزء الرئيسي منه جعلنا نقع في أخطاء أخرى لا تقل خطورة أيضاً: فعندما اقتنعنا أننا نقوم بما يوصينا القرآن القيام به (نؤمن ونعمل الصالحات “نعمل العبادات”) أدى بنا إلى تفسير آيات أخريات بشكل سطحي ومغلوط.. فالنصر الذي وعد به الله تعالى عباده المؤمنين في القرآن أصبح يشملنا وفق هذا المعنى ما دمنا مقتنعين بأننا نقوم بكل ما يطلبه القرآن منا، وبالتالي نستحق “نحن” النصر الإلهي..

وبهذا وقعنا في الفخ التالي: عندما توالت انتصارات الشر على الخير، عللنا ذلك ورجعناه لضعف إيماننا.. فمادام الله تعالى قد وعد بنصر عباده المؤمنين ولم ننتصر فهذا يعني أننا لم نكن مؤمنين كفاية لنستحق النصر أو لم نكن نؤدي العبادات بالشكل الصحيح المثالي، لذلك وكنتيجة منطقية كنا نتجه لزيادة الإيمان والالتزام في تأدية العبادات والخشوع أكثر.. لكن هذا إلى الآن لم ينفع، ولن ينفع.. لأن الله تعالى من عدله يأبى أن تربطه مثل هذه العلاقة مع عباده “الواسطة”: يقومون “عباده” بالطاعة والعبادة أكثر فينصرهم الله بدوره على أعدائهم، بغض النظر على أخذهم لأسباب القوة.. تماماً كما فعلت أقوام وأمم أخرى حين كانت تقدم القرابين للآلهة من أجل أن تساعدهم في انتصارهم على عدوهم.. المنطق والجهل واحد، لكن شكل القرابين قد تغير..

نعم، تحقق عبر تاريخ الإسلام الأول أن انتصر المؤمنون على الشر بتدخل إلهي مباشر.. لكن الاقتناع بامكانية إعادة تكرارها معنا الآن بشكل دائم في كل صراع نقوم به مع الشر هي من إحدى أكبر الأسباب التي تمنع نزول النصر الإلهي أساساً، لأنها تعكس مدى السطحية التي يفكر العقل المسلم بها: فوضع الإسلام والمسلمين مختلف تماماً عما كان عليه آنذاك، واقتناعنا بالتدخل الإلهي لنصرنا الآن ونحن نملك كل مقومات وأسباب القوة التي نستطيع بجهد عقلي وبدني عادي وبسيط أن نستغلهم كباقي الأمم لكننا بددناهم ونبددهم بجهلنا وسلبيتنا هو يدل على عقلية تأبى الملائكة أساساً أن تقاتل دفاعاً عنها..

كيف سيربح الخير إذن إن كان الشر يستطيع أن يمتلك ما يمتلكه الخير من وسائل قوة وأكثر؟ إن كان باستطاعة الشر أن يمتلك: المال، والصناعة، والتكنولوجيا، والتأثير على الرأي العام، وقوة الإعلام، وقوة العقل بوضع خطط ذكية محكمة، والعمل بفريق كالبنيان المرصوص، والإيمان بالقضية (الذي يقاتل الشر من أجلها)..؟ ويمتلك أكثر، يمتلك وسائل ممنوع على الخير أن يمتلكها، يمتلك وسائل تقلب الكفة لصالحه من شدة ألمها على الخير، يمتلك: الخيانة، الاغتصاب، قتل الأبرياء، التعذيب وفقدان أية حدود للرحمة.. ويمتلك تلبيس إبليس الدائم له وإرشاده لأشر الطرق وأخبثها، بينما الخير لا يمتلك تلبيس إيجابي معاكس يرشده عندما يكون بحاجة لإيجاد أنسب الطرق والحلول؟
وفوق كل هذا، الخير يمتلك بحد ذاته وسائل مضعّفة يستغلها الشر دوماً، يمتلك: الطيبة والحنيّة والعطف والرقة.. ما يسهل عمل الشر لأبعد حدود..

كيف سينتصر الخير بعد هذا؟

الله تعالى قد وعد عباده المؤمنين بالنصر بلا شك، لكنه ليس كرت مفتوح لأي كان، ويُمنع استعماله وفق مفهوم الواسطة: لابد من الكفاءة “المؤهلات” ليتم الاختيار، الإيمان (والذي يعني قرآنياً تأدية العبادات) هي جزء من هذه المؤهلات، لكنها ليست إطلاقاً “كلها”.. فهناك مازال العمل الصالح..

كان يجب أن يعلم بعد إيمانه وأدائه للفرائض وامتناعه عن النواهي بشكل ملتزم أن دوره لم ينته هنا.. وأنه كخليفة الله تعالى في الأرض مطالب بما هو أكبر.. مطالب بتسيير شؤون الأرض على أكمل وأتقن وأبرع وجه.. ولكي يفعل هذا يجب أن يتعلم الدرس الأول من الذي جعله خليفته: أن الله تعالى أدار كل شيء في هذا الكون بمنتهى الاتقان، ومادام الله تعالى قد استخلفه على جزء صغير من ملكوته، فهذا يعني أن من وظيفة الإنسان أن يحاول أن يسيّر هذا الجزء “الأرض” بأدق وأتقن صورة يستطيعها، فامتحان الإنسان في الدنيا ونجاحه فيها هو أولاً وأخيراً امتحان في مدى نجاحه أو فشله في تسيير شؤون الأرض “كونه الخليفة عليها”.. ولكي يقوم بهذه المهمة وينجح فيها عليه أولاً أن يجد كل قوانين الله المادية التي وضعها “له” في الكون، عليه أن يبحث عنها ويجدها واحدة واحدة، هذا هو الطريق الوحيد إن أراد أن ينجح بمهمة بناء الأرض، لأن عملية البناء تحتاج لعلم، تحتاج لأن يُبنى كل شيء بمقدار..

ولأن الشر لن يدع الخير لوحده، لن يدعه يكمل وينجز هدفه، مطالب الخليفة “الأخيار” بدور ثالث يقومون به: عليهم أن يحاربوا الشر، لأن الشر يهدم دوماً ما يبنوه.. محاربة الشر لا تعني قتلهم جميعاً كما قد يتخيل البعض، بل يعني أن يسلك الخير ذلك الطريقة الوحيد الذي يستطيع فيه من أن يجرّد الشر من وسائله تلك الحصرية وبالتالي يتفوق الخير عليه: فرض القانون..
عندما يطبق القانون بكل قوة وتفرض العقوبات لكل مخالف عندها ستتراجع مستويات الجريمة بشكل كبير وحتمي لأن الشر يسلك طرق الشر من أجل مكاسب مادية ملموسة والاستمتاع أكثر في الدنيا، فإن شعر أنه سيخسر الدنيا أو الاستمتاع فيها من أجل مخاطرة، فلن يفعلها..

ولكي يستطيع الأخيار تطبيق القانون، عليهم أن يكونوا الأقوى بكل شيء، بكل تفصيلة، لأن الأقوى هو دوماً من يفرض قوانينه.. هذا يعني أن تسخير الخير لجل وقته في دراسة كل أنواع العلوم بحثاً عن اكتشافات جديدة تزيد من معرفته فبالتالي لقوته هي ليست من الكماليات، بل هي من الأساسيات إن أراد أن ينجح بمهمته على هذه الأرض وينال الفردوس.. فأي مجال يتأخر فيه الخير أمام الشر: يتراجع الخير فيه خطوة ويتقدم الشر خطوة، فيفرض الشر بالتالي قوانينه..

القرآن صريح: لن يدخل الفردوس من آمن فقط (مؤدي للعبادات وممتنع عن النواهي وفق المفهوم القرآني)، ولن يدخل الفردوس من عمل الصالحات فقط.. الفردوس مخصص للفئة التي تنجح بالاثنين معاً..

القرآن حاول مراراً وتكراراً أن يلفت نظرنا إلى أنه يجب علينا أن نمتلك الاثنين: الإيمان والعلو الروحاني، والمادية والعلو الدنيوي؛ أنه باستطاعتنا أن نجمع السعادتين: سعادة الدنيا عبر السيادة والتربع على قمتها، وعبر سعادة الآخرة في الجنة عبر استحقاق قمتها.. لكننا لم ننتبه..

لم ننتبه لأن هذا هو عمله ووظيفته الرئيسية في أن يجعلنا لا ننتبه.. أتلكم هنا عن الشيطان، وعن عمله الذي كرس نفسه من أجلها.. راقب جميع أمم الأرض، سترى أن هناك دوماً أمم ركزت على الجانب المادي وأهملت البعد الديني، وأمم ركزت على الجانب الديني وأهملت البعد المادي.. هذا بالضبط عمله.. يدرك أن من يجمعهما يكون قد حقق المطلوب منه على الأرض.. دوماً عندما يرى أمم تتقدم علمياً يغويها فيبعدها عن الدين، وعندما يرى أمم تتقدم دينياً يزمتها فيبعدها عن العلم، هذا ينطبق على الشعوب والأمم وعلى مستوى الأفراد على حد سواء..

هذا باختصار هو عمل الشيطان، لكن للأخيار عملهم أيضاً.. أن يحققوا قول المولى لملائكته: (إني أعلم ما لا تعلمون).. الله تعالى أراد أن يؤكد لنا أن هناك فئات ستنجح، واحتمالية أن نكون “نحن” من بينهم مرهون كلياً بنا: باختيارنا وبما نفعل، بإعادة صياغة وبلورة فهمنا للكون ولدرونا في هذه الحياة.. وأيضاً مرهون بقدرتنا على إحياء العمل الصالح..

 

————-
براء أصفري

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...