GD Star Rating
loading...

خاطرة مشرد

– ماذا تفعل مخالفاً شهرين كاملين , سأل الضابط بتهكم وغيظ
– أسوح في بلادكم الجميلة , أجاب سامر
– وتطارد الفتيات والنساء وتضاجعهم بمواعيد كاذبة وكلام معسول جميل.
– أستغفر الله ياسيدي …لاأفعل ذلك لأنه حرام وأنا عندي أهل وأخوات .
– شاطر بالثرثرة …..و التقوى والصلاح تنقط منك نقطاً…أين كنت تعمل ؟ وكم كنت تكسب؟
– لم أعمل أبداً ولست بحاجة إلى المال ,وكل مصاريفي كانت ولاتزال من محفظتي .
– وتكذب مرة أخرى وتدعي وجود المال معك .. وكيف لشكلك المعوج المزري أن يقنعنا بذلك
– نعم معي ستة ألاف دولار ..أتريدني أن أريك إياها ؟! قالها بقوة وثقة جعلت الضابط المحقق يبتلع ريقه …. ويلتزم الصمت ويسرع بسؤاله :
– الآن سأرسلك إلى بلادك مسرعاً براً أو بالطائرة من جيبك
– أخاف العودة فالسجن ينتظرني لأني هارب منها وربما يسفروني إلى العالم الآخر.
– هذه مشكلتك ولاتعنينا بشئ , لكن أسمح لك بالذهاب لأي دولة تقبلك
– العراق ياسيدي بجانبكم وعندي بها إقامة………وأراه سامرٌ ختماً فقد معالمه رافعاً من نبرة صوته هاهي الإقامة ياسيدي …..ولم يدر أن موضوع الفلوس السابق سيدعمه في دعواه هذه فصدقه الضابط المحقق على الفور دون تدقيق بالختم .
– سأرسلك براً ….. والله والله لو أرجعوك ليس لك سوى سوريا الحامل لجوازها ولو كانوا سيقطعونك إربا …..هل ينقصنا عاهات وبلاوي ومشردين ,…..عندنا مايكفينا .
– خذوه فغلوه …. وإرموه سجناً مع السكارى والحشاشين ونماذج مميزة من زهرات مجتمعنا !
قالها ساخرا ولم يدر سامر أنه سيقضي ليلة من ليال العمر وظن أن أم كلثوم عندما غنت ( هذه ليلتي ) كانت تغني لمثل هذه الليلة , فلقد قضى أكثرها واقفاً على رجليه بجانب مقعد خشبيي متهالك تناوب عليه أربعة من نماذج ضابطنا المصون , المقعد الذي رطبه أحدهم ببوله الغزير كغزارة الفرات وجعل الجميع مستيقظين حتى الصباح بروائح بوله الوخازة المقززة و هو وحده يغط في نوم عميق وكأنه لم ينم منذ شهر .
– لأول مرة يحز الحديد يدا سامر المرتعشتين من قلة النوم , وإنطلقت السيارة العامة نصف الباص الكبير بإتجاه الحدود البعيدة , لتقف في أول إستراحة فيحل الشرطي قيد سامر فيسأله مازحاً وبلغة الإشارة والإنكليزيةالتي يعرف الشرطي بعض مفرداتها …..تراك ماذا أنت فاعل لو أطلقت لأرجلي العنان وهربت ؟…..نظر الشرطي نظرة ساخرة ولم يجب بل أشار بيده إلى مسدسه الذي بجانبه …..ياإلهي يعني رصاص وقتل وهو من هرب خوفاً منهما
_ أسرع سامر بتقديم علبة سجائر مالبورو وفتح أخرى مقدما سيجاره للشرطي الذي أبدى تعففاً كاذباً منتظراً طعاما دسما ووجبة غنية منوعه على حسابه …ولولا أن الشرطي بلباسه الرسمي لأمر له بما يجعله يترنح في مشيته ….لقد صعق الرجل ولم يصدق مايرى ويسمع
لا…لا…أنت رجل أصيل عزيز النفس كريم الخلق ….والله لن يعود هذا القيد إلى يديك أبدا
ودلفا مرة أخرى إلى السيارة وغرقا في حديث عاطفي مؤثر أكثره يعتمد لغة الإشارة وبعض المفردات العربية والإنكليزية والتركية …. ولم تكن الإستراحات التالية إلا مزيداً من الإكرام والبذخ العفوي , وهدايا تذكارية تسعها الجيوب دون الإنزعاج من حجمها .
لدرجة أن الشرطي إستحلفه بالله أن يذهب الآن ويعود بضيافته وهو من يؤمن له إقامة دائمة
_ وصلا الحدود وتم تسليمه للطرف العراقي كما تسلم بضاعة المهربين يداً بيد …..
هلا عيني شكونك ؟إنت من الأخوة العرب السوريين ؟… قالها ضابط الحدود المدير المسؤول
تراقصت روح سامر بداخله طرباً وهو يسمع كلمة الإخوة العرب …وحمد ربه أنه وصل بر الأمان والراحة ….لم يطل شروده كثيرا الذي قطعه سؤال المدير ….أعندك من تعرفه هنا ويعرّف عليك ويكفلك؟ ….نعم ياسيدي أعرف الكثير وبدأ صاحبنا يسرد له أسماء معارفه في بغداد الذين يدرسون هناك…وأعطاه أكثر من رقم هاتف …..ليرد أحدهم ويؤكد معرفته له ورجائه للمدير إعطائه فرصة لتأمين أذن سماح رسمي بالدخول …..
وجدت الفرصة وتُرِكَ سامرٌ يأكل من خشاش الأرض , فلا مطعم ولاهاتف ولا فندق , سوى أحد الطباخين من سمح له بعمل مقصورة خشبية يتكسب فيها من بيع بعض الخبر واللبن وأشياء بسيطة جداً كالسجائر , الحمد لله يارب على نعمة الخبز واللبن الذي تغذى عليهما سامر أسبوعاً كاملا لقد وفرا عليه الخروج إلى دورة المياه العامة التي لم يلحظ لها وجود هناك .
الحمد لله يارب على الحقيبة المكتبية المربعة التي وفرت مخدة لوضع الرأس , وليتذكر سامر العبارة التي حفظها من الإبتدائية ( يفترشون الأرض ويلتحفون السماء )
_ لقد كلمت أصحابك في بغداد مرتين وأمهلتك أسبوعاً كاملاً ولاخبر ولاإذن رسمي ولاأستطيع تحمل هذه المسؤولية الخطيرة !!! على عاتقي أكثر من ذلك , ولابد لي من أن أقذفك حيث أتيت ……قالها المدير جاداً حازماً قاطعاً أي خاطر بإعادة التوسل .
_ شكراً ياسيدي على سعة صدركم وكرم ضيافتكم !….لقد ظننت أني وصلت أهلي !…..لكني لاأثقل عليك ولا أحملك مالا تطيق !….إفعل ماعزمت عليه ….فلم يتمهل بقوله خذوه وسلموه بضاعة سالمة بائرة إلى مصدريها إلينا .
_ يعود سامر إلى تركيا من حيث أتى ويدخلها هذه المرة بطريق نظامي يسلكه المهربون , بعد أن كفر بالجوازات والأختام وشعارات الأخوة العربية والدول الكرتونية التي يهدد أمنها وسلامتها وجود مشرد قلب له الدهر ظهر المجن , لكنه يقرر أن لايعود إلى صاحبه الشرطي
لأنه سيسأله عن ختم الدخول ,وينتظر مدة من الزمن عند أحد معارفه , حتى يأتي من يؤمن سفره عن طريق المطار ويلقى من يسهل دخوله في مطار عمان هذه المرة . وليبدأ رحلة جديدة من العذاب والتشرد .

 

الكاتب : يحيى عبدالرحمن

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...