GD Star Rating
loading...

bas20090209-114611_h211988-4990b71dafcfc

كنت قد وصلت الى بيت اخي بدرعا مع غياب الشمس كما ذكرت سابقا,وبعد السلام وبعض الكلام كان قد جهز العشاء تعشينا,ولم نتمشى كما هي العادة, لأن المشي ليلاً أصبح ممنوعاً في كل سوريا تقريباً. وأصريت {وندمت بعد ذلك على إصراري}, أن انام في الشرفة, من مبدأ أن أتنشق هواءا نقياً من جهة, ومن جهة اخرى لكي آخذ راحتي بالتدخين في بيت لا يدخن به أحد. وندمي كان لأن إطلاق النار لم يتوقف أغلب أوقات الليل, فكان نومي متقطعاً وان غطت عيني فبسبب التعب والارهاق.

في الصباح ذهبت الى مديرية الزراعة واستطعت بعد جهد ان أجد ملفي القديم, لأسحب منه صورة عن استقالتي وبراءة الذمة, وفي منتصف النهار أتاني اتصال من رقم غريب, وعند الرد سمعت صوت زوجتي وهي تقول لي أن الاردن لم يسمحوا بدخول الباص وأنهم أمضوا ليلهم عند البوابة، وبعد أن تم تأمين باص بديل سمحوا للجميع بالدخول إلا هي, لأن ورقة الخروج والعودة معي في حقيبة الاوراق. وقد حاولت جاهدة أن تقنعهم بالسماح لها بالدخول على الأقل لكي تعطي أحد من الاولاد رقم فاكس ليرسلوا لها صورة إقامة أو صورة الخروج والعودة لكنهم رفضوا قطعياً. المهم أنها لم تجد وسيلة لملاقاتي في درعا, لذا فهي ستذهب الى دمشق, فقلت لها إذن سألاقيك هناك, وتوجهت إلى أماكن انطلاق السيارات إلى دمشق لأجد انه لا يوجد سير الى دمشق بعد الثانية ظهراً. وانتظرت أن تمر سيارة أو باص لأكثر من ساعتين, وحتى السيارة التي كانت هناك رفض سائقها أن يأخذني لأاه لا يريد الذهاب الى دمشق.

المهم في صباح اليوم التالي ذهبت الى دمشق, ووصلت الى بيت عديلي حيث أمضت زوجتي ليلتها, واتصلت لأسأل عن حجوز الطيران لكي لا نخوض مرة اخرى مرارة الطريق, ولكن لم أجد حجوزا اقرب من شهرين, وحتى حجز السفر بالباص كان بعد أربعة ايام. فوجدتها فرصة لأنجز ما منعتني العجلة من انجازه, ولأول مرة في سفرنا هذا ذهبت أنا وزوجتي إلى وسط دمشق وإلى الحميدية. قررنا الذهاب الى أحد مطاعم دمشق القديمة حول باب توما, هناك رأينا عسكراً بأعداد كبيرة وقد اتضح أنهم أفراد الفرقة الجعفرية لحراسة مقام السيدة رقية {عرفت ذلك من كثرة صور الشهداء المعلقة هناك فيها تعريف لكل واحد منهم}. وهناك ايضا وصلت إلينا وبقوة اصوات القصف والرصاص الذي ينصب على جوبر القريبة. الملفت أن الناس متعايشة بشكل لا يمكن تصديقه, أو حتى تخيله. ترى طفلاً تحمله أمه يشير لها إلى لعبة في واجهة أحد المحلات وصوت قذيفة دبابة تنطلق و لا تبعد أكثر من مئة متر, ولا تتغير ملامح الطفل, ولا تضمه أمه إليها فزعاً. و ترى أماً وولدها الذي عمره حوالي خمس سنوات يسير امامها ولا تشده إليها او تمسك يده,مع أصوات القصف القوية… كل هذا اعتبره غير طبيعي! الحقيقة أنا وزوجتي الوحيدين الذين كنا نلفت الانظار, فمع كل قذيفة كانت المسكينة تتشبث بي وتحاول أن توجهني بعيدا ,حتى أن بائع المثلجات لاحظ ذلك وقال لي: “يبدو إنكن غايبين من فترة عن البلد, شبكن عادية الامور.”

أمضينا ما بقي من ايام في البيت غالباً، وكان موعد السفر حيث مرت بنا السيارة التي استأجرناها لايصالنا إلى مكتب السفريات. مرت بالقرب من المخيم, و بدا لنا مقدار الدمار الذي لحق به. حين أبديت دهشتي من هول المنظر، علّق السائق: “وما خفي أعظم, لسا لو شايف جوات المخيم لتشيب.” ظننت نفسي أنظر إلى لينين غراد او درسدن بعد دمارها بالحرب العالمية الثانية. وصلنا الى الباص وعاد الفلم ليتكرر, حواجز متعددة التوجهات.

وصلنا إلى الحدود وخرجنا بعد التفتيش, لتبدأ مأساتنا مع الاشقياء {عفوا الاشقاء} بالاردن. واستغرق مشوارنا من الحدود إلى الحدود والخروج من الاردن حوالي 14 ساعة, وهو الذي كان يستغرق 4 ساعات عادة، تذوقنا في هذه الساعات كل الوان الذل والهوان لدرجة أن بعض الركاب قرروا الا يأكلوا ولا يشربوا في هذا البلد لشدة قهرهم وغضبهم. كنا انا وزوجتي نحمل مؤونة من السندويش والتفاح وبعض العصائر في حقيبة زوجتي التي تجد فيها كل ماتشتهيه نفسك, ولا أعلم كيف تتسع لكل تلك الاشياء, أكلنا ما احتجنا ووزعنا الباقي,{إلا زجاجة ماء احتفظت بها لتبقى معي,حيث كنت اشرب منها رشفة كل يوم ولمدة اسبوعين}. بعد مسير طويل وصلنا الى بيتنا وأولادنا, وطبعاً وبسبب معاناتي بهذه السفرة, كنت قد عملت وكالة عامة لابنتي التي تقيم بسوريا لكي تتدبر أمورنا هناك ولا نضطر{وغصة بالقلب عندما اقولها} للذهاب مرة أخرى إلى سوريا في هذه الظروف.
لكن وللامانة, رغم انقطاع الكهرباء والماء بشكل كبير, ورغم المآسي التي شاهدناها, ورغم كل ما يعانيه الناس هناك, لم ولن ترتاح نفسي ولا استطعم أكلا ًوشراباً في أي مكان كما هو في سوريا.
وعذرا على الإطالة وأدعو الله أن يعيد سوريا لأهلها بلداً حراً  يعيش به الجميع بكرامة وعزة

 

الجزء الأول

الجزء الثاني

 

 

 

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...