GD Star Rating
loading...

عين العرب المتورمة أحمد خلفكوباني

لا تزال مدينة عين العرب “كوباني” تتصدر ساحة الأحداث على كافة الأصعدة بعد ما يزيد عن الشهرين من المعارك بين تنظيم الدولة الإسلامية ومليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).

وتتزامن المعركة الحقيقية على الأرض بين الطرفين مع معركة أخرى لا تقل عنها ضراوة، ولكن مجالها وميدانها عالم افتراضي وشبكة عنكبوتية.

فما أن دُقّت طبول الحرب في المدينة حتى اشتعلت شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية بمعارك حول اسم المدينة؛ أهي عين العرب أم “كوباني”؟، ولتعود هذه الجدلية من جديد إلى ساحة الصراع القومي العربي الكردي، ولتأخذ المعركة يوما بعد آخر طابعا قوميا عنصريا من كلا الجانبين.

ومن بعض نماذج هذه المعركة؛ صفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” باسم “مليون معجب لتغيير اسم عين العرب إلى كوباني”.

وكتبت صفحة “أنا من ذوي الأصول الكردية” على الـ”فيس بوك” منشورا ملخصه “لمن يدعي أن اسم كوباني اسم غربي أقول: أسماء المدن العربية كدمشق وتدمر وطرطوس، وغيرها أسماء غير عربية، حتى أن اسم سورية نفسه ليس عربيا، وليعلم أن اسم كوباني باق بقاء أهلها، وإن كانت عين العرب، فهي لا عين فيها ولا عرب، ولم يكن فيها جنس عربي في يوم من الأيام ألا فلتقلع عين من يتعامى عن الحق”.

ومن الطرف الآخر؛ نشر موقع اسمه “الميدان” مقالا وصفه بأنه “مثير وخاص للإعلامي السوري الكبير د. غازي عبد الغفور” وحمل المقال اسم “عين العرب ليست كردية” وجاء فيه “بعض القنوات التلفزيونية ما تزال تصر على تشويه تاريخ واسم هذه البلدة العربية، ومنهم من جنح أكثر بخياله في محاولته “لكردنة” هذه المنطقة!، البداية كانت مع ما تناقلته بعض وسائل الإعلام وبعُجالة عن ما يسمى بالمرصد السوري لحقوق الإنسان لصاحبه الكردي رامي عبد الرحمن بأن تنظيم الدولة قد سيطر على 60 قرية كردية في منطقة عين العرب! لا أدري من أين جاء بعدد الـ60 قرية للأكراد، وهي منطقة مختلطة من العرب والأكراد والتركمان والشركس والأرمن وغيرهم”.

أما تنظيم الدولة فقد اختار لنفسه اسما خاصا فأسمى المدينة بـ”عين الإسلام”.

إن الخوض في هذه المعركة سيكون عبثيا لو انطلقنا من ذات المفاهيم التي تتبناها الأطراف السابقة، إذ لا بد أن نضع في حسباننا أن الشريط الحدودي الممتد حاليا من الساحل السوري غربا وحتى حدود إيران شرقا كان عبر التاريخ منطقة تمازج وتعايش بين شعوب ثلاثة كانت ولا تزال ثقل العالم الإسلامي السني؛ وأقصد المثلث التركي الكردي العربي، وكان من الطبيعي على هذا الأساس أن نرى في تلك المنطقة بلدا عربيا باسم تركي أو تركيا باسم كردي أو كرديا باسم عربي وهكذا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أسماء البلدان والقرى والمدن الصغيرة والأحياء تطلق عادة بما توافق عليها أهلها، ودور الحكومة في مثل هذه الحالات طارئ في أغلب الأحوال، إلا في إنشاء مدينة لم تكن موجودة أصلا.

ولعل من الجدير هنا أن نقف قليلا عند بعض الأمثلة قبل الخوض في أصل تسمية مدينة عين العرب “كوباني”.

فقد أطلق العرب على القلعة التي بناها الأكراد غرب حمص زمن الصليبيين اسم “حصن الأكراد”، كما أسموا الجبل الذي سكنه الأكراد في ريف اللاذقية “جبل الأكراد” وأطلقوا على الجبل الآخر الذي سكنه التركمان اسم “جبل التركمان”.

وذكر ياقوت الحموي في “معجم البلدان” أن مدينة الحديثة في الموصل أصل اسمها “نوكورد” وكانت مدينة قديمة فخربت وبقي من آثاراها فأعادها مروان بن محمد بن مروان إلى العمارة وسأل عن اسمها فأخبر بمعناها فقال سموها الحديثة، وكلمة “نو” في الكردية معناها الجديد أو الحديث.

وعندما فتح العرب المسلمون منطقة الجزيرة – بين نهري دجلة والفرات – انتشرت قبائل ربيعة في المناطق التابعة للموصل، فسمّيت تلك المنطقة باسم “ديار ربيعة”، وانتشرت قبائل مُضَر في مناطق الرقة، فسمّيت “ديار مُضَر”، وانتشرت قبائل بَكْر في المناطق التابعة لمدينة آمد (الكردية) فسمّيت “ديار بَكْر”.

وسميت حارة القيمرية في دمشق القديمة نسبة إلى المدرسة القيمرية الكبرى التي بناها الأمير ناصر الدين الحسين بن عبد العزيز بن أبي الفوراس الكردي أواخر العهد الأيوبي.

كما أن “القامشلي” كلمة تركية وتعني القصب، ولم تجد تلك الشعوب حرجا في دمج كلمتين من لغتين مختلفتين لتشكيل اسم بلدة ما، فقالوا “تل كوجر” وكوجر في الكردية اسم للبدو الرحل.

وهكذا نجد بأن أسماء المناطق بعمومها كانت تنشأ دون أن تكون هناك أية اعتبارات قومية، كما أن الفتح الإسلامي فتح المجال أمام الشعوب للتنقل فصعد العرب إلى الشمال ونزل الأكراد إلى الجنوب حتى وصلوا دمشق ومصر ولا سيما في عهد الأيوبيين.

وبالرجوع إلى عين العرب “كوباني”؛ المعلومات قليلة جدا عن تاريخ المدينة، وتشير المصادر إلى أنها نشأت في عام 1892م، وكان فيها 3 عيون أحدها يحمل اسم “كانيا مرشد” عين مرشد، والأخرى تحمل اسم “كانيا عربان” ويعني عين أو نبع العرب والثالث لم أجد مصدرا موثوقا يذكر اسمه، وقد أطلق الأكراد على نبع “كانيا عربان” هذا الاسم لأن البدو العرب كانوا يستقرون بالقرب منه صيفا ويرجعون عنه شتاء، والأتراك أسموا تلك العين باسم “عرب بينار” أي عين العرب.

أما عن اسم “كوباني” فيقول الكاتب جان دوست “كوباني كلمة ليست كردية، ربما جاءت من الكلمة الإنكليزية “Company” بمعنى شركة، حيث كان للألمان هناك فرع من شركة السكة الحديدية (خط الشرق السريع) قبيل الحرب العالمية الثانية وكان العمال يأخذون الحجارة السوداء من مقلع في جبل “مشتنور” إلى حيث يمدون سكة الحديد وما تزال آثار ذلك المقلع موجودة وإلى الآن تسمّى الحارة الشرقيّة باسم كانيا عربان”.

أما الاسم باللفظ العربي فقد ورد ذكره للمرة الأولى في عهد الانتداب الفرنسي حيث قام المجلس النيابي بإقرار قانون نشره الرئيس هاشم الأتاسي في 4 كانون الثاني سنة 1937، جاء في مادته الأولى “يؤسس في محافظة حلب قضاء يطلق عليه قضاء عين العرب وتجعل قصبة عرب بينار مركزاً له”.

كما ورد اسم “عرب بينار” بالتركية في رسالة أرسلتها القنصلية الأمريكية في حلب عام 1915 إلى السفارة الأمريكية في إسطنبول التركية حول ما يتعرض له الأرمن على يد الأتراك.

ويروي التاجر الأرمني بدروس دير بدروسيان ـ وهو تاجر ومزارع وُلد في مدينة أورفا وتوفي في الولايات المتحدة ـ في مذكراته فصولا عدة عن وجوده عام 1915 في مدينة “عرب بينار” وريفها.

ويبدو لي أن اسم “كوباني” على الأغلب اسم عامي وجد مع الشركة الألمانية عام 1911 كما يحصل في كثير من المناطق أن يوجد هناك اسم رسمي وآخر غير رسمي متداول بين الناس، بينما “كانيا عربان” أظنه شخصيا الأقوى من بين الاحتمالات، وعرب بينار الاسم الذي ذكر في الوثائق العثمانية ترجمة عن الكردية، وعين العرب بالعربية ترجمة عن “عرب بينار” التركية.

ويرى الأستاذ جان دوست أن من أسماها بهذا الاسم الكردي (كانيا عربان) هم “الكرد البرازية”، ويعتقد الأستاذ جان أن العرب الذين كانوا يردون النبع هم الجيسية أو القيسية لورود اسم هؤلاء في الملاحم الكردية في تلك المنطقة.

إن إصرار بعض القوميين الأكراد على تسمية “كانيا عربان” باسم كوباني على الرغم من عدم وجود معنى له في اللغة الكردية ما هي إلا “حساسية قومية مفرطة” في غير مكانها، وللتدليل أكثر على وجود هذه الحساسية غير المبررة من قبلهم، حرصهم على عدم تسمية الشعب الكردي بـ”الأكراد” لأنها تشابه في اعتقادهم كلمة “الأعراب” التي جاءت في موضع الذم في القرآن الكريم فأصروا على أنهم ليسوا أكرادا بل “كُرد”، ثم لم ترق لهم طريقة الكتابة فقالوا “كورد” وكل من يفهم اللغة العربية يعرف أن هذه الواو لا فائدة لها لوجود الضمة على الكاف وهذه الواو تضيف مدا إضافيا على الكلمة فتزيد من طول الصوت (واو)  فكرد وكورد ليستا متشابهتين بالقراءة، كما أن الواو تكتب عوضا عن الضمة العربية في اللغات التي تتخذ من الحرف العربي أبجدية لها كالكردية في شمال العراق والفارسية، مثلا كُردستان في الكتابة العربية تكتب في تلك اللغات كوردستان دون تغير في اللفظ فالحروف تنوب فيها عن الحركات وتختلف الكتابة في حين يتطابق اللفظ.

ونسي هؤلاء أنهم ـ إذ يهربون من جمع الأكراد على وزن الأعراب ـ قد وقعوا على كرد على وزن فرس وهؤلاء هم أشد عداء وتنكيلا بالأكراد من سواهم عبر التاريخ.

أخيرا إن وقوفي عند أصل الكلمة لا يعني أني أؤيد اللفظ الكردي على العربي أو التركي وليكن اسمها عين العرب المشكلة الآن أكبر من ذلك، فاسم عربي لبلد يقطنه أكراد لا أراه إلا رمزا للوحدة بين شعبين عاشا سويا تاريخا ومصيرا مشتركين ونزلا في خندق واحد وخاضا معركة واحدة ضد عدو واحد قبل أن يخط سايكس وبيكو حدودهما على رمال أرضنا وفي عقول وقلوب بعض مثقفينا العرب والكرد ممن باتوا يدافعون عن تلك الخطوط الوهمية أكثر من راسميها.

 

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...