GD Star Rating
loading...
  •  

    سعيد عقل

     

    أنا فلسطيني وأُفَضَّلُ ان يشتمني سعيد عقل بالعربية على ان يمدحني الطاهر جلون بالفرنسية

    سعيد عقل، بعينيه العميقتين ووجهه الشبيه بطابع تذكاري، مات وأثارنا بموته كما بحياته ، بيد ان الكبار لا يموتون، هم فقط يرحلون عنّا ولا يرحلون منّا ، كان يغار على الصليب وعلى الهلال الخصيب من ريح الصحراء ، كان يجاهر بمشاعر سوداء ليس هو المسؤول الوحيد عن سوداويتها، نحن الفلسطينيون أصبناه بسهم الفلسطينوفوبيا، تحامَلنا عليه فلم نحفظ من خصاله إلا تحامُلَه علينا ، وفي ظني فإن من يتحامل على سعيد عقل لا يعقل،

    نحن شعب شكلاني يفضل السياسة على الأدب ويفضل العرضي على الجوهري ، يضع عرض المرأة فوق المرأة، ويمجِّد صيت الشعب أكثر من الشعب نفسه، وللحق فإننا في تلك الأيام كنا نستحق الشتم، لم نكن ثورة نموذجية بل كان يشوبنا ثورجية وبلطجية وأبوات وشبيحة منضوين تحت مسمى قوات ال 17، انخرطنا نتيجة وسببا للحرب الأهلية اللبنانية، وخلقنا لأنفسنا عدوا كان من المفروض ان يكون صديقنا: المارونية السياسية التي ربطناها لاشعوريا بالإمبريالية الامريكية والصهيونية والفاشية والرجعية وكل الفزاعات الايدولوجية التي تنتهي ب”ية” ، أصبحنا ضيوفا على أهل الدار وأمسينا أصحاب الدار وأصحاب القرار ، أسسنا في الفاكهاني دولة ضمن دولة وفبركنا شعارت وطلاسم جغرافية من طراز “طريق القدس تمر من عيون السيمان وجونيه “، وترتّبَ على ذلك ان عشائر عرفات وأبو موسى الفتحاوية تحاربت فيما بينها ودمرت أرزاق اللبنانيين، تمرجلت راجمات صواريخنا على زحلة (البنت البكر للكنيسة اللبنانية) مهددةً اياها بالزوال، بينما طبق ناجي علوش نظريته الثورية في تثقيف أهل الدامور ( بذبحهم )، وحصلت فظاعات وفظاعات مضادة، قَتْلٌ طائفي عالهوية، تم نبشُ خشخاشات المسيحيين طمعا بأسنان موتاهم الذهبية ، احترقت كنائسهم ونُهبت اجراسها لتباع بالكيلو في سوق الخردة، بكلمتين، كانت الحرب الاهلية ( الطائقية) مجالا للجنون وكان شاعرنا يمارس جنونه الخاص ضمن الجنون العام، تشنّجَ نيابةً عن المسيحيين وخشية شطبهم من المعادلة اللبنانية، فدلق علينا الشتائم بلهجة موتورة، معشر الشعراء لهم شطحات، فالغضب من لوازم الشعر كما هي البراكين من لوازم الطبيعة، بودلير تمنى زلزالا يدمر البشرية ، لوتريامون تغنّى بالشرّ والقساوة والرعب، إدغار ألان بو أراد ان يشعل حريقا كونيا، ماياكوفسكي أحب ان يتفرج على موت الأطفال، المتنبي هجا كل الزنوج بخطيئة زنجي واحد، الحطيئة هجا نفسه ثم هجا أمه، الحجاج شتم كل أهل العراق، لكن سعيد عقل أبى الا ان يميز بين الغريزة والعقل وبين الوطن والوطني، فغنى لفلسطين وشتم الفلسطينيين.

    من يقدر على تأليف القصيدة المبهجة قادر على تأليف القصيدة الحاقدة، فأصل القصيدتين واحد، نحن العربان متعصبون بشكل أهوج وتحاربنا اربعين عاما في حرب البسوس لأن داحس سبقت الغبراء ، أشعارنا من زمن الأخطل التغلبي إلى زمن الأخطل الصغير كانت تتراوح بين المديح والهجاء، الشعر هو أن نخالف أنفسنا ونفاجئ غيرنا، الشعر لم ينوجد الا بعد ان صنع عقل الإنسان من الحديد سكيناً، كما ان الشتم شيء تعوَّدنا عليه في تغريبتنا الفلسطينية ، كنا دائما نبحث عمن ينكبنا ودائما نجد ، نكبة 48 في فلسطين، عام 70 بالأردن، 82 في لبنان ، 91 بالكويت ،2003 بالعراق 2013 في سوريا، فالفلسطيني ذنبه الوحيد انه مُخوزَقْ، يعني خازوق دُقَّ (في مؤخرات العرب) ولن يُقلع، الملك فيصل أوصى بعدم جمع فلسطينييْنْ اثنينْ وتفريقهما أبعد ما يمكن بمدن المملكة ، الملك حسين نكّل بنا في أيلول الأسود، الأسد وصدام أذاقانا الويل في السجون ،القذافي رمانا بالصحراء ، الكويت منعتنا من ركوب خطوطها الجوية، حتى أبو نضال بتاعنا جرب كواتم صوته بروؤسنا، فلم نلوم سعيد عقل وحده ؟ يمكننا ان نتتقده ولا يحق لنا ان نعاديه، ويقيني انه شتمنا تحت تأثير العرق الزحلاوي ومن باب انه يحق للواحة ان تلعن الصحراء ، وأجزمُ انه كان يخشى ان ينحط في خانة الذمي الكتابي التي شاء ان يحشره بها مجاهدو جند الله والجماعة الاسلامية الجاعلون من القرآن برنامجهم السياسي.

    من يتأمل بعمق في شرقنا المهترئ يدرك ان الأقلية دائما محقة لأن الأغلبية دائما غبية، من ينظر إلى الطوبوغرافية اللبنانية يجدها عبارة عن سلسلتي جبال ممتدتين وكل قمة جبل تأوي أقلية نازحة من ريح الصحراء (الموارنة في جبل لبنان ، الشيعة في جبل عامل، العلويون في جبل الاقرع ، الدروز في جبل العرب ) لكن هذه الحصون الطبيعية لم تكن دوما منيعة بوجه الزحف السني ، فالظاهر بيبرس فتك بالموارنة في التجريدة الكسروانية ونفى قسما منهم إلى قبرص، الدولة العصملية فرضت ضريبة الذمتلي عليهم وعلى كل شجرة ففضلوا ان يقلعوا الأشجار ، إفتحوا سير المغازي السيفية والفتوحات، إقرئوا فقه الفقهاء، استفتحوا بسورة الفاتحة، نحن المسلمون يمكننا ان نلعن المسيحيين خمس مرات باليوم ولا نسمح لشاعر مسيحي ان يشتمنا مرة بالعام ، على انه سين عين ( سعيد عقل) شاعر ويحق له ما لا يحق لغيره، وقع بالنظرة الاختزالية وأوقعنا بها، قَسَّمَ لبنان إلى غرباء وأصلاء، جمع َطهارةِ القِدِّيسِينْ وعهارة البشر، رسم نفسه متحفا برسم التاريخ، مارس طبيعته البشرية فلم يتعظ بموعظة المسيح التي تقول أدر خدك الايمن لمن ضربك على الأيسر بل قال من ضربك على خدك فاضربه على الخدين ، ولعله شتمنا من فرط محبته لنا وليعطينا امتياز ان نترفع عن رد الشتيمة، تحامل علينا ليميزنا بميزة جبل المحامل ، واجهنا بالوجه والصديق اللدود يطعنك دائما من الأمام، بالإضافة إلى مأثرته في نزع الملائكية عن الفلسطينيين فقد نزع القداسة عن اللغة العربية، كان مَجْمَعَ لغةِ عربية بحاله، كان لغةً في اللغة، قاموسا مفتوحا ، أخْرَجَنَا من الإنشاء والبلاغة إلى البساطة والمعنى، أخْرَجَنَا من حالتيْ الصرف والإعراب ومن خانتيْ البدو والأعْراب، اللغة العربية على لسانه انتماء يصل الأرض بالسماء، يكفيه عروبةً انه شتم عربا بالعربية، وتزحلن وتفنيق وتلببن بالعربية ، وجدد اللغة العربية بالعربية ، كان عربيا قلبا لا قالبا ، وفعلاً لا اسما ( رغم ان في اسمه عين وفي لقبه عين أخرى) كان يكتب بالعربي من اليمين إلى الشمال، لكل هذه الأسباب أترحمُ عليه ولا أرجمه، أذكرُ حسناته دون سيئاته، وأرافع دفاعا عنه عن اللغة التي يشعر بها، أنا مش فلسطيني ولا لبناني ولا مسلم ولا مسيحي، أنا ابن لغة الضاد وحسب، هي وطني النهائي ومتراسي الأخير، وهي كذلك هواي وهويتي، وهي قرآني وإنجيلي، وأُفَضِّلُ ان يشتمني سعيد عقل بالعربية على ان يمدحني تاهر بن جلون بالفرنسية، وأفضّلُ رعيَ الخنازير بلسان عربي مبين على رعي الإبل مع الفرنكوفونيين، وأُفَضِّلُ يهوذا الاسخريوطي على بقية الحواريين ، أنحاز أحشائيا للمسيحيين العرب ضد العربان المسلمين، فأبناء قومي هم الذين يشاركوني لساني، وهم البساتنة، آل اليازجي، الأخوان تقلا ورحباني، أحمد فارس الشدياق، مارون عبود، قسطنطين زريق، ميشيل عفلق،شبلي الشميل، يعقوب صروف، جرجي زيدان، أمين الريحاني، فارس نمر، فارس الخوري، فرنسيس مراش، فرح أنطون، الأب أنستاز الكرملي، أنطوان سعادة، مكرم عبيد، مجيد طوبيا إدوارد الخراط ، سركون بولص، جميل حتمل، أنسي الحاج، إلياس خوري، بول شاوول، جبور دويهي، عيسى مخلوف، رشيد الضعيف الخ …،

    وبالمقابل فإن عار الكينونة هو ما يجمعني ب تاهار بن جلون وصلاح ستيتية وعبد الوهاب المؤدب وفؤاد العروي ومحمد ديب ومحمد مولسهول ، ولا أستطيع ان أصف هؤلاء الا بوصفهم قرودا بمؤخرات حمراء لتسلية الفرنسيين، لا يوجد شعور بالنقص أشد من انتقاص الفرد للغته القومية والعزوف عنها ، وكل حرف تكتبه بلغة الغير يشبه رصاصة تطلقها على نفسك ، وإذا فرط الإنسان باللغة الأم فبإمكانه أن يفرط حتى بمؤخرته، سين عين كان أصيلا قياسا بهؤلاء المارقين من اللغة ، ترانيمه الرائعة تألقت ضمن رطاناتهم الكاكافونية ، كان معاصرا لنفسه وسابقا لوقته ، لم يكتب فقط بالعربية بل اجتهد لتجديدها بدعوته إلى الدارجة ، ووجهة نظره هذه تحتاج لأن ننظر لها جديا ، لقد تخلص الشعر العربي من بحور الخليل وعلى النثر ان يتخلص من بحور سيبويه ومن الصرف والنحو الإعراب ، تجديد اللغة هو أكبر تحد يواجهنا فلا معنى لحريتنا ( الموعودة) بلغة الآخرين وعلى جثة اللغة القومية ، إن عصر الإنسان العربي لا يكون الا بالخروج من عصر القداسة إلى عصر الأناسة وهذا لا يكون الا بالمسيحيين العرب، إنهم ضروريون لثلاثة: أولا لأنهم مسيحيون، وثانيا لأنهم عرب، وثالثا لأنهم أقدر من المسلمين العرب على تطويع لغة الضاد للتعبير الدنيوي، الرعيل الأول من القوميين العرب كان معظمهم مسيحيون وكان شعارهم “إضرب بسيف محمد واهجر يسوعا”، ولكن ان امتد هذا السيف لنحورهم فإنهم سيهجرون خوفاُ من سيف محمد ( الكنيسة المارونية معظم رعاياها موجود في استراليا مش بلبنان ) اذا تحولت لغة الضاد إلى لغة الضد فسوف يتصحر المشرق (وحتى المغرب) ، اذا تحولت لغة النقد إلى لغة النقض فسوف ينقلب أحفاد جورج حبش وجورج حاوي إلى أنطوان لحد وسعد حداد مسيحيونا العرب سامحونا ، فنحن جلجلتكم التي لولاها لم يكن المسيح ابن الله إنسانا، نحن تلاميذكم وأنتم معلمونا، وشهد الله ان شبهة “الانعزالية” التي وصمناكم بها هي تهمة نخبوية ، وشهد الله إنّا نحبكم ولا نلومكم ان شتمتونا

     

    عبد الحميد عبود

    رحالة فلسطيني

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...