GD Star Rating
loading...

عندما قامت الثورة في ايران في نهاية سبعينيات القرن المنصرم….. لم يكن هناك أدنى شك لدى الجميع أنها ثورة شعبية تطالب بالحرية و الكرامة و الانعتاق من استبداد حكم الشاه الامبراطور الواحد الأوحد الفاسد المفسد المتجبر على شعبه…. و على الرغم من كون الامبراطورية الايرانية حينها قوة إقليمية هامة لها سطوتها و جبروتها على جوارها الا أن المواطن الايراني كان قد ملّ من فقر الحال في الداخل و من الفساد و الظلم و الديكتاتورية

قامت تلك الثورة رغم أنف الجميع في الغرب و الشرق…. و مع أن الزمان كان غير هذا الزمان فلا أنترنيت ولا فيس بوك ولا تويتر…. الا أن أشرطة الكاسيت لخطب الخميني…. و منشورات الثوار…. و كتب المثقفين…. كانت كلها تجد طريقها لحث الثائرين و شحذ هممهم…. و كان أن انتصرت الثورة المعجزة رغم أنف الجميع…. و حقت مقولة اذا الشعب يوما أراد الحياة…. فلابد أن يستجيب القدر

 

أسست الثورة لجمهورية….. و ألغت حكم الفرد المستبد….. و كانت الجمهورية في ايران من نمط خاص و جديد على كل الجمهوريات و الديمقراطيات في العالم…. الجمهورية الوليدة في ايران جاءت من رحم ثورة شعبية تريد الجديد في كل شيء مع مراعاة رأي الأغلبية المسلمة الشيعية الجعفرية في ايران…. و هكذا كانت…. الجمهورية الاسلامية

لا أريد هنا أن أفصل في مبادئ الجمهورية الثورية الوليدة…. ولا أريد أن أناقش مدى شرعية سلطة الأغلبية الدينية…. جل ما أحببت أن أقاربه هو كيف انقلبت شرعية الثورة التي أسست للتغيير الى شرعية دينية مستبدة قامعة فاسدة و مفسدة للأرض و الشعب حتى كفر أبناءها بها لعل التاريخ يكون عبرة و مثلا حسنا لبعض المتشدقيين الآن

————————–

إيران دولة غنية…. غنى إيران مو بس جاية من النفط و الغاز و الموارد الطبيعية لأنو متل ما منعرف إيران دولة فيها زراعة و صناعة و الأهم في تمانين مليون نسمة تأسس لموارد بشرية المفروض تكون المورد الأهم و المصدر الأكبر لقوة الدولة

بس شو يلي عم يخلي الشباب الايراني…. المسلم الشيعي الجعفري…. يهرب و يطفش من الجمهورية الاسلامية ذات الموارد و الامكانات؟…. شو يلي عم يخلي الايرانين يركبو مراكب الموت و يخاطرو بحياتون لحتى يوصلو لاجئين لشواطئ دولة متل أستراليا مثلا يلي امكاناتها لا تعادل نصف امكانات ايران؟…. شو يلي عم يخلي الشباب الايراني يقبل الذل في أقفاص الاجئين لحتى يحصل على حق اللجوء و العيش الكريم على أراضي الدول “الغربية” مع أنو هنين نفسون الشباب يلي آباؤون عملو الثورة في ايران لحتى يقدروا الأبناء يعيشوا بكرامة؟

شو يلي بخلي الشباب الايراني يخرج الى الشوارع ب “ثورة” ضد الحكم يلي جاء به آباؤهم؟….. شو يلي بخلي الشباب المثقف من الأغلبية الدينية الحاكمة في ايران ينتفض ضد حكم الملات و المشايخ و الحوزات؟…. هل الثورة أكلت أبناءها في ايران؟…. و ليش الثورة أكلت أبناءها من الاساس إذا كانت مبادئ الثورة تقوم على المخافة من الله و تحقيق طموحات الشعب المسلم في ايران؟

 

الجواب على هالأسئلة منقدر نشوفو من الأيام الأوائل للثورة…. أيام اللجان الثورية يلي نصبت حالها الحارس على مكتسبات الثورة الاسلامية و يلي عمدت منذ البداية الى اجتثات كل فكر لا يتفق مع مبادءها الثورية الاسلامية الشيعية الجعفرية بحجة أنها تمثل رأي الأغلبية المسلمة…. و الاغلبية تريد حكم الله على الأرض كما يراه أبناء المذهب الجعفري

منذ الأيام الآوائل للثورة تم قمع أي فكر مخالف لفكر آيات الله و المشايخ و الملات…. أي انسان كان يطالب بدولة “مدنية” تراعي الحقوق الانسانية الفردية للشعب دون تطبيق قوالب الشريعة الجعفرية كان ينتهي الأمر به على مقصلة الثورة…. و أصبح متطرفي الدين و حراس حكم الله بمثابة “السافاك” الايراني الجديد…. و أصبحوا فيما بعد “الحرس الثوري الايراني” يلي يقوم بقمع و اضطهاد كل فكر مخالف… كل هذا تحت عباءة ما يسمى بشرعية الثورة الاسلامية…. و شرعية حكم الأغلبية الدينية للبلاد…. مو هي الديمقراطية؟

و لتعميق و تأصيل الحكم الديني فقد حاول الحكام الثوريين الجدد إعطاء ما سموه بالاقليات الدينية حقوقهم المزعومة ببناء المساجد للأقلية السنية…. و حق العبادة لباقي الاقليات دون أن يكون لهم أي وزن أي رأي في طريقة حكم البلاد حيث أن الأغلبية شيعية و لهذا فان الدستور يقول أن المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري و الحكم و التشريع و القوانين كلها مستمدة من هذا المذهب و لتحيا سلطة الشعب و ليخسأ الخاسؤون

تطورت فيما بعد الحالة “الثورية” و أصبح حراس الثورة يطاردون حتى المخالفين لهم من داخل ” الأغلبية الدينية” في ايران…. لهيك كان في آية الله منتظري يلي كان من المفترض أن يخلف الخميني لكن و بسبب آراءه الداعية الى تأصيل بعض من الديمقراطية المدنية على حساب الديمقراطية الدينية…. و بعض أفكاره “الاصلاحية” الداعية الى اعادة توجيه دفة الثورة و تصحيح مسارها من الداخل و محاسبة الجميع تحت غطاء القانون دون النظر الى رتبهم الدينية أو حجم الغطاء الالهي لتصرفاتهم…. هي الأفكار كانت كافية لقرع جرس الخطر عند شبيحة الثورة الدينية الجدد…. و بالتالي كان لابد من نفيه و اقصاءه و اجتثاثه هو و من معه من أصحاب الأفكار “المنحرفة” عن سلطة ثورة الأغلبية الشعبية الدينية

أبدع منظري الثورة الجدد في أفكارهم الديمقراطية الجديدة…. فصندوق الاقتراع مانو فلتان… و مو كل مين هب و دب صار بحقلو يمثل الشعب…. و الثورة الاسلامية ذات مبادئ الهية سامية و شرعيتها مو بس مستمدة من الأغلبية الشعبية بل كمان من شرائع دينية الهية رصينة و بالتالي حتى رأي الأغلبية الشعبية مالازم يؤخذ به إذا تعارض مع التشريع الالهي المفترض و مصلحة المجتمع الاسلامي فوق الجميع…. و انبثق عن هالنظريات مجالس متنوعة شغلتها تراقب صندوق الاقتراع…. من مجلس صيانة الدستور الى مجلس تشخيص مصلحة النظام وصولا الى الحوزات الدينية العقائدية…. و بالتالي لا يصل الى مجالس التشريع و التنفيذ و القضاء في الدولة الثورية الا فقط من يحقق شروط ثورية دينية رصينة و حازمة…. حتى صار النظام في ايران عبارة عن نسخ متشابهة في كل أركانه و أصبح صندوق الاقتراع متل قلتو لأنو المتنافسين زيد و عمر هنين بالنهاية وجهان لعملة واحدة و رأي واحد ألا و هوي رأي السلطة الاسلامية الثورية

حراس الثورة تغلغلو في كل مناحي الحياة ابتغاء لوجه ربهم لا أكثر ولا أقل…. فهم تلامذة الحوزات الذين تعلموا أصول دين الأغلبية و شرع الله و من ثم أطلقتهم السلطة الجمهورية الاسلامية الجديدة ليطبقوا الشرع و الحدود في كافة مناحي الحياة….. فالتعليم يقوم على مناهج مدروسة بما يناسب دين الأغلبية دون الاكتراث بما يسمى بالاكاديمية أو أسس البحث العلمي التي هي بمعظمها “رجس من عمل الشيطان” و نتاج حضارة “الطاغوت الأكبر” و بالتالي فان رأي الأغلبية الدينية هو أساس التعليم…. و الاقتصاد لا يقوم على مبادئ عليمة وضعية فالله عز و جل قد وضح للأغلبية الدينية كيف يجب أن يسير الاقتصاد و كيف يجب أنو يتوجه هذا الاقتصاد….. طريقة الملبس…. و الأكل و الشرب…. و الرياضة…. و الغناء و الموسيقى…. و السهر و السمر و التسليه…. و كل تفصيل من تفاصيل الحياة يجب أنو يكون متوافقا مع الديمقراطية الجديدة والا فأنه سيشكل خطر و تهديد على الثورة

هكذا مضت الأمور في الجمهورية الاسلامية الجديدة…. و هكذا أضحت مصالح البلاد و العباد كلها في أيدي سلطة قمعية ديمقراطية ثورية تحكم بأسم الأغلبية…. و هكذا أضحت إيران واحدة من الدول التي يعاني سكانها الفقر و الجهل و الحرمان…. و هكذا بدأ الشباب في ايران بالهرب من البلاد الى غير رجعة…. و هكذا لم يبق في مفاصل الدولة و المجتمع الا المتطرفيين و المتعصبين لعقيدة الأغلبية الدينية كما يراها حراسها من آيات الله و صدور الاسلام في الحوزات…. و هكذا عندما يسأل الرئيس في ايران عن تردي الأحوال في جمهوريته يتبختر مجيبا أنه لم يعد شعبه برغد الحياة بل وعده بالعزة و الكرامة!!

إن الحراك الشعبي في ايران 2009 كان نابعا من شباب حر مثقف…. شباب لا يريد القمع باسمه….. شباب تحرك بشكل عفوي ليقول لحراس الجمهورية الاسلامية كفى تشدقا بديمقراطية الأغلبية…. و كفى تسترا بشرع الله…. كفى فقد أضحت البلاد خرابا من بعد عين…. و ما كان من حراس الثورة و غلاة التطرف الديني الا أن أعملوا القمع و التقتيل في هؤلاء المنتفضين في صورة أبشع من صور قمع الشاه للثوار قبل ثلاثين عاما

إن الشعب المثقف في ايران الآن يحن الى زمن الشاه الذي يراه جميلا أمام قبح المستبدين الجدد….. إن الشعب المثقف في ايران يلعن سلطة الأغلبية الدينية المقيتة و يريد تغييرها

إن الشعوب الثائرة في البلاد العربية لا تريد تبديل قمع بقمع…. ولا تريد تبديل سلطة مستبدة بأخرى مثلها…. إن الشعوب الثائرة تريد الكرامة و الرفاه قبل أي شيء….. فيا أولي الألباب…. أفلا تعقلون و من تجارب الآخرين؟

 

 

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...