GD Star Rating
loading...

الدوله الحديثة مرتبطه بشكل وثيق مع وجود الوطن. لا يمكن قيام الأولى بدون الثاني ولا العكس. قاعدتهما تنظيم المجتمع قانونيا على أسس غير دينيه ولا عرقيه من جهة، و من جهة أخرى توطيد هوية وطنيه جامعه مستمده من كل تاريخ المجتمع الوطني.

في سوريا، المشروع السياسي خلال ما يقارب القرن، تركز على إقامه دوله في إطار جغرافي اعتبر “مصطنعا”. بمعنى أنه لايمثل وطنا في الماضي، ولا يصلح لتشكيل وطن في الحاضر. وهذه الاعتبارات ليست محصوره في الجانب الجغرافي، وإنما تشمل كل المكونات الديموغرافيه والثقافيه. كافة التيارات الأساسيه التي سادت سوريا، من القوميين العرب الى الاسلامانيين، مرورا بالقوميين السوريين، انطلقت من هذا الاعتبار. وكل منها رسم صوره لوطن خاص به أوسع من سوريا: سوريا الكبرى، الأمه العربيه أو الأمه الاسلاميه. لكن التيار الغالب، من القوميين العرب، فرض أن الوطن الحقيقي هو الوطن العربي و ما سوريا إلا جزء صغير منه.

لهذا لم ينشأ يوما ما مشروع وطن أسمه سوريا! و كأن هذا البلد مجرد مرحله “تكتيكيه”، بانتظار الهدف العظيم في الوصول “للوطن الحقيقي بحدوده الطبيعيه”! ضمن هذا الاطار، قامت النخب الحاكمه و النافذه برسم الهويه السوريه, وصياغة  كتب التاريخ والذاكره الجمعيه، بما يتناسب مع هذه الايديولوجيه..

 وهذا أحد أهم العوامل لفشل الدوله الحديثه. كل الانقلابات العسكريه المتواليه في سوريا عبرت عن هشاشة الدوله الحديثة و ضعف الهم الوطني. فمنذ الانقلاب الأول و حتى الاخير مرورا بالوحده مع مصر، تميزت كلها بالمزودات القوميه على مسائل خارجه عن الاطار السوري : قضية فلسطين، الوحدة العربيه، مقاومة الامبرياليه. وافضت هذه الحلقه المعيبه إلى التضحيه بكل ما هو ثمين في بناء المجتمع الحديث: سياده القانون، الحريات العامه، الانتخابات، ألخ. كما إن غياب الهويه الوطنيه السوريه كان وراء التشكيله ذات الصيغه الطائفيه التي بنيت عليها الموسسه العسكريه منذ ١٩٦٣ من أجل أيجاد تماسك عصبوي لضمان استمرار السلطه السياسيه. وهي بدورها عززت العوده للانتماءات ماتحت وطنيه

ما هو مدهش،  أن الجميع كان يوءكد على الانتماء المافوق سوري، فكانت النتيجه أن تعززت الانتماءات الماتحت سوريه!  وهذا طبيعي ومنطقي, لأن كل الهويات المافوق سوريه ناجمه عن إعادة صياغة ايديولوجيه  لمفاهيم سياسيه قديمه، وليست تستند على عوامل موضوعيه وثقافيه فاعله في ظل الوعي الحديث لمفهوم الوطن! وفشلها ناتج عن رفضها للواقع وللتاريخ. إذ كيف يمكن اعتبار أن الرابط البعيد أقوى من الروابط القريبه. كيف يمكن اعتبار انتماء موحد لبلاد لم تعرف تقريبا أي تاريخ مشترك بينها. في حين أنه عندما توجد روابط قويه بين بلدان (كما بين سوريا الكبرى ومصر والعراق)، فانها تعود لآلاف السنين وتغطي مساحات متنوعه من الهويات والثقافات والحقب! 

 لا يمكن أقامه ديموقراطيه دون دوله حديثه ،مثلما يستحيل قيام دوله حديثه دون وطن، و قيام وطن يتطلب هويه وطنيه، والهويه الوطنيه يجب أن تقوم على روءيه موضوعيه لكامل التاريخ السوري، وجامعه لكل السوريين. لايمكن بناء هويه على هذا الجزء من التاريخ لهذه الشريحة أو تلك. كل سوري هو وريث لكل تاريخ سوريا ولكل ثقافتها، أيا كانت الأقوام الفاعله أو الدين السائد في ذاك الوقت. من أتى على هذه الأرض و ساهم بصنعها فهو جزء من تاريخنا. ونحن جماعيا محصلته الثقافيه والديموغرافيه والدينيه والسياسيه. 

مشروع الديموقراطيه إذن، مرتبط بانشاء هويه وطنيه، إذ لا يمكن للموءسسه ألديموقراطيه نفسها أن تعمل بدون درجه عاليه من الاندماج الوطني. و هذا لا يتم عندما يكون الوطن مجرد مشروع أيديولوجي في هذا الاتجاه أو ذاك.

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...