GD Star Rating
loading...

مجاهد مأمون ديرانية

بعدما استثنينا التدخل العسكري الشامل على الطريقة العراقية لأنه احتلال عسكري كما قلنا، وهو خيار يستبعده الجميع بحمد الله، وبعدما استبعدنا الضربات الجوية المركّزة على الطريقة الكوسوفية لأنها تؤدي إلى تدمير البلاد دون أن تؤثر تأثيراً حقيقياً على النظام، وبعدما وجدنا أن الحظر الجوي عملية معقدة ومكلفة وغير مجدية ولا يمكن أن تؤدي وحدها إلى سقوط النظام، بعد ذلك نصل إلى خيار العملية العسكرية الجوية الشاملة مع دعم التحرك العسكري الوطني على الأرض وصولاً إلى إسقاط النظام، أو باختصار: النموذج الليبي.

قرأت مرة حكمة تقول إن أفضل طريقة لتجنب الحروب هي منع البدء بأي حرب جديدة قبل نشر كل الكتب عن الحرب السابقة. أرجو أن يعرف شعبنا السوري الثائر المصابر كم دفع إخوانه في ليبيا في سبيل النصر العسكري قبل أن يفكر في نسخ التجربة ونقلها إلى سوريا، فهل اطلعتم أولاً على التقدير المبدئي الذي صدر قبل أيام والذي يقول إن الضحايا قد يصلون إلى خمسين ألفاً؟ هذا في ليبيا الصغيرة ذات الستة ملايين إنسان، وبما أن سكان سوريا أربعة أضعاف سكان ليبيا فمن المنطق تماماً أن نتوقع مئتَي ألف ضحية في سوريا. والمدن؟ هل شاهدتم صور مصراتة والزاوية وأجدابيا والزنتان وغيرها؟ لقد تحول أكثرها إلى ركام. والمعاناة الإنسانية؟ ألا تعلمون أن عشرات الآلاف سيكملون حياتهم مع عاهات دائمة؟ ألم يأتكم نبأ العدوان على الأعراض؟ ألف حالة سُجِّلت في مصراتة وحدها؟ فكم عرضاً انتُهك في ليبيا كلها قبل الوصول إلى طرابلس وإسقاط نظام القذافي؟

ما سبق هو الجزء البشري والمادي من خسائر الحرب، وهو ليس كل شيء، بل إنه ليس أسوأ شيء. الأسوأ هو ارتهان القرار السياسي لبلدنا ونقله من يدنا إلى يد الدول الغربية، والولايات المتحدة تحديداً. مَن يجرؤ على أن يقول إن الولايات المتحدة صديق لنا أو أنها تحب لنا الخير؟ هل سنخرج بعد كل تلك التضحيات من تحت الدلف إلى تحت المزراب (كما يقول العامة في أمثالهم)؟

رغم ذلك الثمن الباهظ ما زال يوجد من يدعو إلى الحرب، ويقولون: إذا كانت الحرب ستوصلنا إلى إسقاط النظام بعد سنتين بربع مليون شهيد فهي أفضل من الموت البطيء بلا نتيجة حتى الآن. ربما كان لهذا الرأي وجاهة لو كانت الحرب هي الطريق الوحيد لإسقاط النظام، ولكنها ليست كذلك. لأثبت أنها ليست كذلك كتبت هذه السلسلة من المقالات ورتبتها ترتيباً مقصوداً؛ بدءاً بإثبات أن الثورة حققت الكثير حتى الآن، ثم بتأكيد أن ضغط الثورة السلمية يمكن أن يسقط النظام، ثم رسمت أكثر من طريق يمكن للثورة السلمية أن تسلكه وصولاً إلى النصر. أمام ذلك كله سأكرر طرح السؤال: لماذا يريد قومٌ أن يضحوا بسوريا وأهل سوريا وجيش سوريا واستقلال سوريا في سبيل التخلص من النظام الأسدي الحالي إذا كانوا يستطيعون سلوك طريق آخر للوصول إلى النتيجة نفسها؟ نعم، هو طريق صعب محفوف بالآلام والتضحيات، ولكن ألا ترون أن الطريق الآخر الذي تختارونه أكثر آلاماً وأحفل بالمآسي والتضحيات؟

لقد ثبت أن التدخل الغربي العسكري بالصورة التي جرى بها في ليبيا مكلف بشرياً ومادياً وسياسياً، والأسوأ من هذه الكلفة كلها أنه سيعيدنا إلى نقطة الصفر لأنه سيوقف الثورة الشعبية السلمية فوراً. ألم تفكروا في هذه النقطة تحديداً؟

في اللحظة التي يبدأ فيها تدخل من ذلك النوع سوف تتحول المواجهة التي يقف الشعب الأعزل في أحد طرفَيها والنظام المجرم في طرفها الآخر، سوف تتحول إلى حرب بين دول، بين سوريا والقوات الغربية المتحالفة. في حرب كهذه سيصبح الشعب في موقف حرج، فإما أن يهدأ تماماً ويتوقف عن ثورته السلمية، أو يستمر فيها فيصبح هدفاً مشروعاً للنظام ليتعامل معه معاملة المحاربين. لو حصل ذلك فقد تستطيع قوات التحالف المهاجمة أن توفر بعض الحماية للمدن عن طريق قصف القطع العسكرية، ولكن هذه الحماية ستكون محدودة جداً وبطيئة جداً، وإلى أن تصل إلى إدلب ستكون حمص قد أبيدت، وأثناء انشغالها بالدفاع عن حماة ستحترق درعا. أمَا رأيتم كم صرف التحالف الغربي من الوقت في قصف وتدمير القوة القتالية للقذافي؟ هل خطر ببالكم أن تعقدوا مقارنة بين الجيشين الليبي والسوري؟ سأوفر عليكم الوقت: الجيش السوري يملك 4950 دبابة و5940 عربة مدرعة وحاملة جند، أي 10890 قطعة قتالية برية. بالمقابل كان للجيش الليبي قبل الحرب 1514 دبابة و1740عربة مدرعة، أي 3254 قطعة قتالية برية. التحالف الغربي أنفق خمسة أشهر لتعطيل القدرة التدميرية للجيش الليبي، فإذا اشتغل بالمعدل نفسه فسوف يستغرق خمسة عشر شهراً في سوريا!

إذن فإن الثمن الأسوأ للتدخل العسكري الغربي -حتى لو اقتصر على التدخل الجوي- هو توقف الثورة الشعبية. الثمن الثاني هو استرجاع النظام لجزء كبير من قوته التي فقدها في مواجهته مع الشعب، فسوف تلتفّ حوله أطراف كثيرة ضعف ولاؤها له خلال الفترة الماضية، وسوف يحسم كثير من المترددين الذين كانوا يقتربون من الثورة، سيحسمون موقفهم للاصطفاف مع النظام في مواجهته للعدوان “الهمجي” الخارجي كما سيروج إعلامه المنافق.

أسوأ من ذلك كله هو أن القصف من الجو لن يحسم المعركة. لم يحصل قط في التاريخ العسكري كله أن حُسمت معركةٌ في السماء، المعارك لا تُحسَم إلا على الأرض. ليبيا لم تكن استثناء، القصف الجوي خفف الضغط عن المقاتلين على الأرض، لكن أولئك المقاتلين هم الذين حسموا المعركة. إذن فإن التدخل العسكري الغربي سوف يجرّ الثورة إلى الحرب لا محالة، أو أنه سوف يوقفها لا محالة، احتمالان لا أرى لهما ثالثاً، ومن كان عنده ثالث فليتحفنا به وله الشكر.

* * *

أنا مقتنع بأن القوى الدولية، والغربية منها خاصة (الولايات المتحدة وحلفاءها) جادّة في إسقاط النظام، فلماذا نمنحهم الفرصة لابتزازنا وتدمير جيشنا؟ سوف ندفع ثمن هذه العملية مرتين، مرة ثمن التدمير ومرة ثمن إعادة البناء، وفي الحالتين ستذهب أموالنا إلى أميركا وحلفائها من دول الناتو، وسوف نرهن جزءاً لا بأس به من قرارنا المستقل، وسوف تولد سوريا الجديدة ناقصةَ الحرية كما حصل في ليبيا للأسف الشديد.

لسنا مضطرين إلى ذلك كله، بل يمكننا أن نصبر ونثبت ونمارس الضغط ونقول للجميع: إننا ماضون في ثورتنا اعتماداً على أنفسنا، نريد منكم فقط أمرين: (1) الحماية ومنع النظام من ارتكاب مذابح، ولو أنكم أرسلتم مراقبين مستقلين فسوف يقتصد النظام في القتل والإجرام، ولو استطعتم أن تفرضوا على النظام دخول الصحافة الحرة فسوف يَرعوي أكثر ويوفر على الشعب المزيد من المعاناة. (2) الأمر الثاني هو دعم الوحدات العسكرية المنشقّة، وذلك بتوفير العتاد والذخائر بما يمكّنها من الاستمرار في حرب العصابات التي تنفذها الآن وتساعدها على حماية المدنيين. إذا لم يبلغ الجنون بالنظام درجة دكّ المدن بالطيران الحربي وبالصواريخ فلا نريد منكم إلا ما سبق، أما لو فعل فسوف تتغير كل قواعد اللعبة، وعندئذ لكل حادث حديث.

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...