GD Star Rating
loading...

فادي

ابان دراستي للقانون الامريكي بشكل عام و الدستور الامريكي بشكل خاص اعجبت و استغربت في آن واحد من صلابة ذاك الجدار الفولاذي الذي يفصل بين الدين من جهة و الدولة بكل مؤسساتها من جهة اخرى.

اعجابي هو نتيجة ايماني المطلق بأن أي دستور مبني و لو جزئيا على اسس دينية لن يمكنه مواكبة التغيرات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي يمر بها المجتمع كنتيجة حتمية لمرور الوقت.

أما سبب استغرابي من صلابة هذا الجدار فهو انه مبني على جملة واحدة لا غير. انها الجملة الافتتاحية في التعديل الأول للدستور الأمريكي و تقول: لا يملك الكونغرس الصلاحية لتشريع اي قانون يكرس الدين او يحظر حرية العبادة.

تكمن قوة هذه الجملة و عبقريتها بأنها لم تحمي حرية العبادة فقط بل منعت الدولة من انشاء اي ديانة لأنها ان فعلت فستجبر الشعب على اتباعها و بالتالي يكون حظر حرية العبادة نتيجة حتمية. لا يجب أن ننسى أن حرية العبادة تتضمن الحرية في عدمها عند الملحدين.

و مع كل ذلك جوبهت هذه الجملة بانتقادات لاذعة و منطقية شككت بجدواها او بمقدرة القضاء على تطبيقها. على سبيل المثال لا الحصر القوانين التي تنص على دراسة الديانة في المدارس تكرس الديانة و في نفس الوقت تمنع حرية العبادة عن من لا يؤمن بالديانات المدرسة او عن من لا يؤمن بأي دين. و كذلك أيضا ان امتنعت الدولة عن تكريس دين فأبت أن توظف رجال دين لمرافقة قواتها المسلحة المرابطة في الخارج فانها في نفس الوقت تحرم جنودها حرية العبادة.

نتيجة لهذه الانتقادات المشروعة و السيناريوهات الكثيرة المحتملة, طورت المحكمة العليا اختبارا لفحص دستورية اي قانون من ناحية الفصل بين الدين و الدولة يسمى اختبار ” ليمون” نسبة للقضية التي طور القضاة فيها هذا الاختبار. و ينص الاختبار على ان القانون دستوري اذا:
١- كانت الغاية وراء تشريعه علمانية و
٢- كانت تأثيراته الرئيسية لا تكرس او تثبط الدين و
٣- كان القانون لا يؤدي الى تشابك شديد ببن الدولة و الدين.

بالاضافة الى ما سبق اقرت المحكمة العليا ان القوانين الحيادية ذات التطبيق العام دستورية حتى اذا مست عرضيا بعض الشعائر الدينية. كمثال عن ذلك منعت المحكمة احدى قبائل الهنود الحمر التي من شعائرها الدينية مضغ عشبة مهلوسة, منعتها من تحدي القانون الذي يمنع تعاطي هذا النوع من المخدرات. ووجدت المحكمة ان هذا القانون لا يمنع حرية العبادة لأنه حيادي و ذو تطبيق عام.

بالنتيجة نرى ان السبيل الأكيد و الثابت لحماية حرية ممارسة الدين و حرية الاقليات هو ليس وجود رئيس يريد حمايتها بل وجود دستور يحميها و قضاء نزيه يؤمن ان الدستور فوق الجميع.

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...