GD Star Rating
loading...

استيقظنا باكراً , لـ وداع أمي ,, و هي لـ أول مرة , ستتركنا , لـ تسافر الى دمشق , حيث يعيش خالي , و الذي سيخضع لـ عملية بسيطة , و يريد من يعتني به , فـ زوجته مريضة و لا تستطيع القيام على طبابته و حدها , فـ طلب من أمي ذلك ,,

أفطرنا معها , و جاء أبي , و معه جدتي ( والدة أمي ) لـ تبقى معنا في فترة غيابها عنا ,, و من ثمّ ذهبا لـ يوصلها الى كراجات دمشق و تسافر ,,, و هذا ما حدث و سافرت ,,

لم نزعل كثيراً ,, على سفر أمي لـ سببين , الأول اننا علمنا انّ خالنا مريض و ستساعده لـ عدة ايام فقط و من ثم تعود , و الثاني أننا تعودنا أن نأخذ كامل راحتنا مع جدتنا , فـلم تقل لنا مرة : كلمة لا , و كل شيء مسموح , و قضاء الوقت معها بعيداً عن أمي يذكرنا بـ اجازة الصيف , رغم أننا في الشتاء ,,

لـ الاسف , لم يأتي شيء مما تمنيناه , , لم يأتي المساء , إلا و نسمع اصوات مهولة , هل هذا رعد !!

كان رعداً , و لكن ليس من السماء ,, كان رعداً لـ الرصاص ,,,

صعد جارنا , و طرق الباب , تردد أبي بـ فتحه , قبل أن تقول له جدتي : أفتح ,, إن كانوا منهم , سيكسرونه ,,

فتح والدي الباب ,, و إذ جارنا يقول : هيا هات العائلة , و الحقنا الى القبو ,,

نزلنا بـ ما علينا من لباس فقط , و دخلنا لـ غرفة , في الطابق السفلي من البناء , تقع في منتصف المنزل , و فيها تقريباً , خمس نساء , و خمسة عشرة رجلاً و شاباً , و العديد من الاطفال ,,,,

الحمدلله أنها سافرت , ربما لـ جنت إن وضعت في هذا المكان , همس أبي لـ جدتي ,,

بدء البعض بـ التدخين , و رأى آخرون أنّ بقائنا جميعاً هنا استحالة ,, بيت قريب لنا , يبعد عن بنائنا خمسون متراً , طلب أبي من الشباب تأمين الخروج لنا و لـ جدتي , لـ ذاك البيت , و بعد التخطيط و الأسئلة و الخروج و الدخول , لـ يوم كامل , جاء الرد : يستطيعون الخروج , الضابط اخلاقه جيدة , و تقبل الفكرة , خرجنا مع جدتي , و تركنا والدي , ننادي له : تعال معنا , و هو يبتسم و يشير لنا أن اذهبوا الآن , و قالت جدتي و هيَ تجرنا بـ سرعة : بـ سرعة , العسكر سمحوا لنا فقط , و لا يسمحوا لـ الرجال , لا تخافوا , أنا معكم , سيأتي والدكم بعد قليل ,, لكنه لم يأتي ,,,

هذا البيت كبير , و ليس به الا شابان و فتاة و ابوهم , والدتهم متوفية , أخذ احد الاخوة يلاعبنا , و هو بـ الاصل لاعب كرة , كنا نقضي معه غالب وقتنا , عدا عن انغماسنا معه في محوالاته بـ التقاط بث التلفاز , لـ مشاهدة كأس العالم في اسبانيا ,, الصوت اصبح اعتيادياً , رشاً و دراكاً , ننتظر فترة بعد العصر , لـ نقترب من السطح , و نرى كيف يرمي أهالي الحي لـ بعضهم الخبز و المعلبات عبر الاسطحة , كانت جدتي ماهرة في الطبخ , و هيَ خير من يجود بـ الموجود ,,,

مرة واحدة لمحنا ابي , في عملية توزيع المؤن على الاسطحة , و لـ لحظات فقط

ايام عدة على هذا الحال , و بعدها بدا الحديث عن سفرنا الى دمشق ,, عائلتان من الحي , لديهم باصات ( هوب هوب ) و هم ينسقون مع الجيش , لـ السماح بـ سفر اهالي الحي في هذان الباصان , و كيفية تأمين الطريق ,,

تحضرنا أكثر من مرة الى السفر , و عند الخروج من الباب , تأتي الاشارة أن عودوا , و يتأجل السفر ,,,

لم استطع النوم هذه الليلة , كان صوت الدويّ قوياً , عدا عن مراقبة أخي و الشاب لاعب الكرة , لـ الكرات المنيرة التي لم تنقطع عن السماء , طيلة الليلة , غفيت و كان العدد خمسون ,, و صحيت على صوت جدتي : استيقظوا بـ سرعة , سوف نسافر , إنني نعسان ,,, جدتي : قم يا ابن ***** , قبل أن نموت , إنها أول مرة اسمع من جدتي تلك الكلمات , قمنا بـ سرعة , و لا داعي لـ اللباس , فـ هي ذاتها البستنا علينا , من يوم سافرت أمي ,,,

خرجنا الى الباص , و ركبنا بـ اعداد مضاعفة عن سعته , و رأينا والدي , لكنه بعيد , في أول الباص , و من المستحيل أن يصل الينا , فـ يننا و بينه ما يقارب المئة شخص ,, الحمدلله أنه معنا ,,

سار بنا الباص , خرجنا من المدينة , بعد المرور على عشرين حاجزاً إن لم يكن أكثر , و بعد السير بـ قليل , رشقات من الرصاص , الكل اخفض رأسه ,, تكسر عدد كبير من النوافذ , الهواء بـ برودة الثلج , و الطريق طويل , و بدأت الاحاديث ,ربما فقدنا الاحساس , أو انها حلاوة الروح هيَ من أعدم فينا احساس البرد ,,

 اكثر ما كان يسمع من الناس ,, و بـ نبرة متفاجئة ( كمان مات !!)

بدأت العالم تتبادل اماكنها و لو بـ صعوبة , و بعد منتصف الطريق وصل ابي الينا , حضنا بعض , و كأننا نرى بعضنا بعد غياب سنين , و قبّلنا كثيراً و نزع عنه رداءاً سميكاً , استطاع احضاره من البيت قبل الخروج , و غطانا به ,, و بدأ يتحدث لـ جدتي عمّا حدث و يحدث , كونه كان على اطلاع اكبر بـ الأحداث ,,

مناظر التي شاهدناها من النوافذ رهيبة , و سؤالنا الباطن : كيف بقينا احياء ؟ إن كلّ ما نراه دمار !!

في طريقنا , تعرض الباص الى رشقات رصاص عدة , كان القصد منها الترهيب – ربما – لـ انها كانت على الحديد السفلي فقط , و وصلنا اخيراً الى دمشق , و مع نزولنا سألت ابي : اين نحن ؟

هل نحن ما زلنا في نفس البلد !! اذاً لما هذا الفرق !! لا يوجد شيء هنا !!

نزلنا من الباص , و أوقفنا سيارة أجرة و صعدنا بها ,,, كنت خجلاً من لباسي ,, العالم في أبهى حلة , و انا ( بـ بيجامة النوم و جرابات صوف مرفوعة فوق البيجاما , و شحاط )

وصلنا بيت خالي , طرقنا الباب , و فتحت أمي , كان عناقاً غريباً , تبادلنا تقبيل كل شيء بـ بعضنا , و بكينا كثيراً , دخلنا البيت , و الدفىء يملىء المكان , جلس ابي مع خالي يتحدثون بـ آخر الاخبار , بينما جسلنا في غرفة أخرى مع امي و جدتي , تتحدث لها , كيف مرت علينا تلك الايام , و نحن نزيد على جدتي بعض التفاصيل التي لا تذكرها ,,

ذهبت امي و زوجة خالي الى السوق , و عادوا لنا بـ البسة جديدة , كانت ليلة مضطربة العواطف , صح نحن في امان الآن , و لكن يوجد حنين لـ شيء لا أعرفه ,, الغالب على احساسي , هو الغربة ,,

مرت الايام , و كانت جافة العواطف و الملامح , و جاء العيد , إنه اسوأ عيد يمر عليّ , لم اشعر بـ العيد اصلاً , لكني و من شرفة البيت , أرى الاولاد يلعبون , و هم يعيشون العيد , لم لا استطيع أن اعيشه مثل السابق , لا ادري !!

اليوم سنعود الى حماه ,, استيقظنا , و لبسنا و كلنا شوق لـ العودة , رغم الصورة السوداء التي رسمها طريق مغادرتها ,,

اخذنا سيارة ( سكارسا ) و عدنا , يسأل السائق ابي , اسئلة عدة , و يكون جواب ابي بـ المختصر و بـ العموميات ,,

و صلنا ,, مفاجأة ,, اين ساعة حماة , علامة ساحة العاصي الشهيرة , من أخذها ؟

قال السائق , لقد اكتشفوا ( اخونجي ) يختبىء بها , و يتصيّد الجيش , فـ ضربوها من القلعة و هدموها ,,

وصلنا البيت , صعدنا ,, على الباب آثار خلع ,, فتح ابي و دخلنا ,, ما هذه الفوضى , دخلنا بـ سرعة الى غرفتنا , كل شيء تم كسره , و الالعاب بـ الارض مكسرة , دخلنا الى غرفة امي , لـ نجدها تبكي , لا يوجد شيء من مصاغها , و قالت لـ ابي : الذهب فهمنا سرقته , لكن اغطية الصوف الثمينة , لمَ سرقوها ؟ ,, دخلنا معاً الى غرفة الضيوف , لا صمديات و لا ( الستريو الكبير ) الذي كان هدية أبي لـ امي في عيد الزواج , المطبخ مكسر بـ الكامل ,,,

ذهب ابي مع جدتي , لـ ايصالها الى بيت أخيها , هكذا تم الترتيب , فـ بيتها لم يعد موجوداً , ليس بيتها فقط , بل الحارة كلها , لم تعد على الوجود , بقي تلّة من الدمار , كانت تسمى بـ ( الكيلانية ) ربما هي اجمل ما بني من احياء , في تاريخ البناء القديم ,,

بينما كنا نرتب و نلم اشلاء بيتنا , عاد ابي , و معه من الكلام و القصص الحزينة , أكثر من كل ما مر علينا , لقد جلس قليلاً مع اخوالي , و سمع ما حدث , و قصّ لـ امي الاخبار , و عمن مات او اختفى , و من خرج من اهلها سليماً , و لكن مشرداً ,,

عشنا ايام كثيرة بعد ذلك , و الصمت و الحزن يلوّن حياتنا , فـ مع كلّ محاولة لـ العودة إلى الحياة الطبيعية , يأتي خبر جديد , عن موت قريب داخل المعتقل , أو موت لـ قريب كان بـ علم المختفي ,,,

كل شيء نقص , الا علاقة الحب مع حماه , فـ هي كبرت و جمحت ,,,

نحن أهل حماه , حماتنا تلك , التي اغتالها و شارك بـ اغتيالها , و سكت على اغتيالها , العالم أجمع , من قريب و بعيد ,,

حماتنا تلك , التي حكم عليها , منذ ذلك اليوم , أن تبقى في مؤخرة الركب , عسى أن يعي اهلها الدرس , من 2 شباط 1982 , الى قيام القيامة ,,

اليوم , عدسات الموبايلات , وثقت و خلدت , ما يقارب نصف مليون فيديو , عما تم فعله في سوريا , و لكن عيون اهل حماه , ما زالت تحمل ملايين الوثائق , عما ارتكب , و ورثتها لـ اجيالها , فمن لوعة الحديث من أحد معاني الاحداث , تستطيع رسم الصورة , و لو لم تعايشها ,,

40 عاماً , و حماه تعيش بـ علاقة غير شرعية مع حاكمها , فـ هل شهد العالم عملية اغتصاب , دامت تلك السنون , مع التهليل و التمجيد بـ المغتصب ,,

وجب التنويه :

1- ما تم ذكره , يشبه الاقتباس , فـ الحكاية تطول , و مهما افاضت الكلمات , لا توصل ما تحمله ذاكرة العيون ,,

2- أخجل من حماه , عما كتبت من ذاكرتي عن احداث الـ 82 , فـ مع كلّ ما تم ذكره , اُعتبر انا , و عائلتي عموماً , ممن لم يتعرضوا لـ شيء يُذكر , مما تعرضت له حماه و الحموية ,,

3- كتبت احداث حماه -1 , محاولاً – ان شاءالله – ذكر قصص و روايات , عن احداث حماه , حتى يوم الذكرى

الثـورة بـ عون الله منتصرة ,,

فري سيريا

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...