GD Star Rating
loading...

يتذمر جدّي في كل عام عندما يحل يوم مولده ويرفض الاحتفال مردداً مقولته : لا داعيَ للاحتفال, لقد كبرت سنة وأصبحت قريبا من القبر . طبعاً الجميع يدعون له بطول العمر و يجهّزون من أجله عيد ميلاد جميل رغماً عنه محبة له من جهة و مناسبةً من أجل لم شمل العائلة من جهة أخرى , لكن هذه السنة كأن الشمس أشرقت من الغرب , فقد اتصل جدّي بالأقارب يذكرهم باقتراب عيد مولده لتحضيره بشكل مناسب طالبا احتفالاً كبيراً هذه المرّة . لا أعلم ماذا حصل ؟ و هل من سبب يدعوه لذلك ؟ سوف نحتفل بعيد مولده الواحد والسبعين بعد أيام .
أطفأ الواحد والسبعين شمعة بمشاركة الجميع و كان فرحا على غير عادة , ما أن أصبحنا بمفردنا بادرته بسؤال حيّر ذهني :
لماذا أنت فرح جداً هذا العام يا جدّي ؟
أجابني : لقد تجاوزت السبعين سنة !
سألته : و هل من سبب يدعوك للفرح بتجاوزك هذا العمر ؟
قال : نعم يا عزيزي , ألا تتابع نشرات الأخبار ؟ لقد صدر حديثا قانون تشريعي بعدم سجن الأفراد دون سن السادسة عشر وفوق السبعين عاما , هذا يعني أني منذ اليوم أستطيع أن أتكلم و أبدي رأي دون أي خوف , فلا خوف بعد اليوم . تعال معي إلى غرفتي لأريك بعض الأشياء الخاصة , التي لم يرَها أحد غيرك في العائلة لأنك مقرب إلى قلبي ولأن اسمك على اسمي , قالها مازحا .
دخلت غرفته و جلست على أريكة مقابله , تناول من تحت الوسادة دفتراً سميكا بأوراقه قائلاً : هل تعلم ما كتب على أوراقه ؟ إنها ليست حكايات أو قصص , إنها يا حفيدي خلاصة أفكاري للسنوات الماضية خبأتها خوفاً من أن تقع في أيدٍ غريبة .
قلت : لماذا تخبئها طالما تحكي عن حياتك و ذكرياتك , و كيف لم تقرأها علينا طوال هذه السنوات ؟ فأنا لم أكن أعرف أنك كاتب !
أجابني : هي ذكرياتي في الوطن أي هي جزء من مذكرات وطن , و هي الحقيقة التي لا لبس فيها , لذا هي خطيرة جداً على حياتي وحياة عائلتي , تعال لأريك بعض الأشياء التي من المحتمل أن تضحكك وتثير استغرابك وعلى ما أعتقد سأورّثك إياها لأني أعرفك تمام المعرفة و أعرف تفكيرك و رجاحة عقلك .
كنت متوتراً لهذا الحديث المشوق الذي خصني به جدّي العزيز على قلبي دون سواي , أخرج من درج مكتبه طقم أسنان وقال :
الحمد لله أني لم أستعمله إلى الآن .
اندهشت لرؤية طقم أسنان غير مستعمل فسألته : لماذا تحتفظ به وأسنانك بحالة جيدة , ولماذا تريد توريثي إياه ؟
بعدها أراني عكازاً سحبها من وراء الخزانة و تناول من تحت سريره مبولة و زحافة , أراها عادة في المشافي و عند المرضى و المسنين الذين لا يستطيعون خدمة أنفسهم .
قال مبتسماً : من الآن هذه الأشياء لك فأنا لم أحتجها , لقد ظننت أني سأستعملها في كل لحظة إذا داهمت العيون دفتر يومياتي المخبأ جيداً , لكن يا حفيدي توصلت إلى قناعة أن ما كتبته ليس له فائدة طالما تركت أفكاري لنفسي و لم أبُح لأحد بمشاعري و كأني ما فعلت شيئاً في هذه الدنيا و يتملكني إحساس أني شيطان أخرس بسبب خوفي و سكوتي عن قول الحق .
قلت : وما حاجتي لطقم الأسنان و العكاز و المبولة و الزحافة ؟
أجابني : طقم الأسنان كي تتلذذ بالطعام الذي ستأكله , لأنهم سيقلعون أسنانك رغم جودتها , و العكاز كي تستند عليها لضرر سيحل في ظهرك , أما المبولة و الزحافة أرجو من الله ألا تحتاجهما , لأن ذلك سيكون مؤشرا على عنف الحوار معك .
قلت : لماذا تتحدث هكذا , عن عذابي و التنكيل بي فأنا ما فعلت سوءاً كي أستحق هذا العقاب .
أجابني : يا حفيدي , أنا أعرفك جيدا ً و أعرف جيلك الثائر , الذي لا يسكت عن الضيم والظلم .
قلت مبتسماً : سآخذ هداياك و سأحتفظ بها كي تكون شاهدةً على حقبة تاريخية , لكني لن أحتاجها أبداً , كما أحب أن أؤكّد أن الحقيقة سوف تظهر عاجلاً و أن العدل سوف ينتصر .
ما أن أنهيت كلامي حتى أخذني بكلتا ذراعيه ليضمني إلى صدره, يقبّلني و دموعه تنحدر من عينيه بغزارة و يقول:
أقسم لي على ما تقول , أقسم على استرداد إنسانيتنا .
أقسمت دوت تردد على الغد الجميل و الحرية لوطني .
By: free Sibai

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...