GD Star Rating
a WordPress rating system

تموضع الجميع بمواقعهم في الصالون، و قبل أن يهموا باستئناف حديثهم دخلت روز مندفعة بسرعة لفتت انظار الجميع لها و اقتربت من أحمد و همست باذنه وهي تلهث:

انظر الى رسمة وردة!, انها في الصف الثاني!!

حدّق في الرسمة, و كان كلما شرحت له روز معاني اللوحة كلما ازداد عبوسا و بدا عليه الدهشة, قالت روز:
في وسط الورقة تابوت بداخله رجل هو ابوها الشهيد و قد فتحت فاهه قليلا عندما رسمته, و لما سألت روز الطفلة وردة لماذا يفتح أبوك فمه؟
اجابتها انه يضحك يا آنسة، و رسمت من حوله امها و جدها و جدتها و رفاقه مندفعين حول التابوت، و في زاوية الورقة رسمت علم الاستقلال السوري وهو كبير نسبيا، ثم رسمت في الثلث الأخير من اللوحة بنت صغيرة بحجم كبير، و جعلت من رأسها الجزء الأعظمي من الجسد و رسمت كتلتين مدورتين تحت عينيها

و قالت روز لاحمد: سألتها عن كل ذلك, و اجابتني بكل براءة، بتعرف كل شي عميصير يا أحمد، بتعرف شو يعني القتل و شو هي الحرية, و بتعرف تعبر بشكل احسن منا يا أحمد! … وردة بالصف الثاني … معقول اللي عبصير!!

بدأت روز ترتجف و هي تحدث أحمد مقربة وجهها من رأ سه اكثر و اكثر حتى يشك الناظر اليها أنها سترتمي في حضنه خوفا من حدث خطير, و قالت له:
و عندما سألت وردة عن الطفلة التي رسمتها في اللوحة اجابت الطفلة: انها رسمت نفسها, و هاتين الكتلتين المدوريتن تحت عينيها هما دموعها يا أحمد لانها تبكي دائما على ابيها

انفجرت روز فجاة بالبكاء لدرجة العويل، و خرجت من الصالون بأقصى سرعة، ما لبث احمد أن اجهش بالبكاء الصامت الحزين. هو الرجل الخميسني الذي لم يذرف دمعة على ابيه عند وفاته الطبيعية، احمد المعروق بالمعتقلات انه من اشجع الرجال الذين يواجهون الجلادين بارادة لاتلين، احمد الذي هابته الشبيحة و المخابرات عندما جاهر بموقفه انه سينتصر دوما لدماء شهداء الثورة في ساحة الشهداء في جرمانا و في الميدان و دوما،  احمد الذي تمكن ان ينقذ جريحا في برزة من تحت رصاص المخابرات، هذا القلب القوي المعروف عنه يبكي الآن و تسيل دموعه على دمعتين كبيرتين رسمتهما وردة, طفلة الثماني سنوات, لتؤكد حزنها على المغتال على أيدي سلطة الموت.

قدموا له المحارم الورقية و كأسا من الماء, و حاولوا أن يعرفوا ماالذي حدث، لم يستطع احمد ان يروي ما شاهده على الورقة، صمت طيلة الوقت، و كان كلما تذكر دمعتي الفتاة الصغيرة ابنة الثماني سنوات و هي تبكي دائما, كان يعاوده البكاء من جديد، انها تبكي باستمرار هكذا قالت مها، تبكي على ابيها الشهيد الذي مات برصاص قناص مأجور كان يرصده من على سطح بناء مقابل لبيتهم في الحارة الشرقية للزبداني، قتلوه و هو يحمل الخبز لأسرته بعدما عرفوا عنه انه آدمن صفحة الثورة السورية – تنسيقية الزبداني و مسؤولها الاعلامي، اي, هو الذي يصدر اخبار الثورة في منطقته لمواقع اليوتيوب و الفيسبوك و تويتر و غيرها، و هو الذي يراسل المحطات الفضائية و ينقل اخبار الثوار و جرائم سلطة النظام بحق الشعب.

ساد الصمت الرهيب في الصالون، و لم يتمكن احد من التلفظ بكلمة واحدة, و دام ذلك دقائق، و كان أحمد كلما توجهوا إليه بالاستفسار تتجلى امام ناظريه وردة و دمعتيها، و تبدأ دموعه تسيل على وجنتيه، و يصمت من جديد. قامت مها الصبية و توجهت الى الغرفة التي يرسمون فيها و عادت بعد دقائق و الدموع تغمر عينيها، لم تستطع ان تروي ماحدث لها في غرفة ورشة الرسم
حينها ادرك الجميع خطورة الموقف فنهضوا مرتبكين و توجهوا الى الغرفة، حاولوا فتحها فوجدوها مقفلة من الداخل فصرخ ابو سامر: يا روز أين انت ياروز, هيا افتحي الباب
يا روز – يا سارة افتحوا الباب ما لذي حصل لكم ؟ و لكن لا مجيب, ثم صرخت خديجة بصوت قوي افتحا الباب قبل ان نكسره هيا …. و طرقت الباب طرقات قوية بكلتا يديها

فتح الباب اخيرا، فتحته سارة، ليدخلوا و ليجدوا روز تحتضن الطفلة بكل مافي الكون من حنان و امومة، تشارك وردة البكاء المستمر على ابيها الشهيد، و لتركض سارة و تعود لتحتضن الطفلين الآخرين عبد الرحمن و نهى، و لينبنى من الثلاثة اجساد تشكيل متكامل يوحي بحالة رعب من هيمنة وحش بشع على المشهد، و ليلتصق هذا التشكيل مع احتضان روز لوردة، حيث كانتا قد شكلتا تكوينا يحاكي اسطورة ميديا، و كلا التكوينين يبدوان للناظر إليهم و كأنهم يحاولون خلق كيان جسدي وجداني واحد مؤلف من خمسة أنفس لا أحد يستطيع فك لحمته، خمسة أجساد ينوحون و يبكون مثلما تبكي وردة أبيها دائما، انهم يبكون و يذرفون الدموع لعل دموعهم تكبر بحجم دمعتي وردة، لعلهم يتمكنون من اللحاق بابيها الشهيد ليخبروه عن حزن و انتظار ابنته وردة له، الشهيد الذي أردوه جثة هامدة أمام باب بيته، و ابنته تنتظره ليرفعها عاليا كما عودها دائما، لعله يصحو من جديد و يضعها على كتفيه, و تصرخ بفرح في عيد ميلادها “أنا أطول واحدة فيكم”.

ما الذي جرى لخمسة اجساد تتكوم حول بعضها لتعيد تشكيل الخلق من جديد، ما لذي جعل كل هذه الدموع تنهمر من اعين كل الموجودين كلما لمحوا رسمة وردة ابنة الشهيد الذي انتظرته امام باب البيت، فأطلقوا عليه رصاصة فسقط مضرجا بدمائه، لم تع الطفلة وردة ان أباها قد رحل و لن يعود، ركضت باتجاهه و نظرت في عينيه و تراءى لها و هو يضحك بوجهها، أبوها عائد، فانتظرته تحاول معاونته للوقوف، تحاول أن تتلمس جسده، ان تحمله، انتظرت ليقف و يرفعها من جديد الى الاعلى، و بقيت تنتظره حتى وصل اناس ليسوا اباها الشهيد، و اندفعوا حوله يحاولون انقاذه، و لكن بقي ابوها ممددا امامها، حتى حملوها و هم يبكون اباها و بتوعدون قاتله.

لم تتمكن وردة من وعي حقيقة ما حصل، تستمر يوميا في انتظار ابيها امام الباب على امل ان يعلمها اشياء و اشياء، لولاه لما كانت قد عرفتها، ليعلمها كيف ترسم علم الاستقلال، و ليعلمها كيف تغني اناشيد الثورة، وردة بقي في ذاكرتها علم الاستقلال و اغنية “يللا ارحل يا بشار” الذي كان يشاركها انشادها، في ذاكرتها انتظار ابيها يتبعها بكاء و دموع من عينيها الخضراوين، وردة الان تلتحم في حضن روز و دخلت قلبها حين رسمت لروز ابيها و رسمت علم الاستقلال الذي علمها اياه، ثم رسمت دموعها المنهمرة من عينيها كل يوم حزنا و شوقا لأبيها، أبوها الذي اعتادت ان تناديه أستاذ آدم, و عندما تسأل لماذا تناديه أستاذ تقول لأنه علمني اشياء، أبوها الذي مات، و لم يستطع أن ينبس بكلمة واحدة لابنته وردة حين كانت ترنو اليه و هو يحتضر، ابوها الذي لم تتمكن وردة من رفعه من اجل ان تدخله الى البيت مع كيس الخبز، وردة الآن في حضن روز و تشكيلهما مندمج مع سارة و عبد الرحمن و نهى، و الكل ينطوي باتجاه دواخلهم ليبتعدوا اكثر من رصاص الشبيحة و المخابرات في ظل سلطة الاجرام الأسدي.

بعد ذلك اقترب منهم ابو سامر و حاول مواساتهم بقلب يقطر حزنا و ينشحن ثورة، لم يتمكن ابو سامر من اخفاء حزنه العميق، توجه الى الله و صرخ و قلبه ينفطر أسى و حزنا: يا الله المتربع على عرشك منذ الأزل و حتى الأبد، أيها المتعالي بقدرتك، أنت يارب العالمين، الذي نصرت عبدك محمد في بدر على الكفار الظالمين، انظر الى عبيدك المظلومين، امنحهم طاقة الصبر و التحمل حتى يتمكنون من اعلاء كلمتك على الأرض، أمدهم بعونك ليرفعوا لواء الحقّ و الحرية، أعنهم على أعدائك يا أرحم الراحمين، أعطهم فرصة الحياة بكرامة لينشروا العدل على الأرض، أيها الرب الكريم نحن طامعون بتطعيم أرواحنا من روح عظمتك، اسمعنا يا ربنا، نحن الضعفاء أمام جبروتك، نحن بحاجتك لنستمد منك طاقة بمواجهة انظمة الظلم و الفساد، أيها الرب الذي لم نتوان لحظة عن السعي وراء دربك، انظر الى أحوالنا، انظر الى الكتلة البشرية التي امامنا، أيها الرب الذي ليس كمثله شىء, تستحق وردة رعايتك، وردة الطفلة التي ترسم لنا درب ارادتك في مواجهة أعدائك يارب العالمين

………. و استمر ابو سامر بالدعاء و التوسل الى الله واصفا المشهد أمام ناظريه، و كلما كان يستمر بدعائه كلما كان صوته يتعالى أمام المشهد، و كلما كانت الأنفس المتلاحمة تبتهل معه لله ان كان بصوت جماعي أو بالخروج من حالة الانكماش الى حالة التوحد مع مالك الملك الله المتعالي في السماء بصمت الذي افتقد الحيلة أمام مصائب جلل. تمكن بالفعل أبو سامر من اضفاء روح الله على المشهد، تمكن من زرع الطمأنينة في قلوب الحاضرين، فكانت اللحمة ما بين الاجساد المنصهرة بروح وردة التي تبكي بدمعات كبيرة على أبيها الشهيد الذي قتلوه أمام ناظريها في اللحظة التي كانت تنتظره أمام البيت، و وقفت أولا سارة و أوقفت معها عبد الرحمن و نهى, و توجهت نحو ابو سامر و هي تشهق على أثر بكائها السابق

——————————————-

أدهم مسعود القاق – دمشق في 7-4-2012

GD Star Rating
a WordPress rating system
GD Star Rating
a WordPress rating system