GD Star Rating
loading...

 

عندما نريد تحديد موقف من حالة أو ظاهرة ما في المجتمع، فإن علينا دراسة وتحليل الظروف التي أوجدتها، ماهية هذه الظروف، تكوينها، تنظيمها، وعلاقاتها وتفاعلاتها مع الواقع، أي أن يكون لدينا إدراك وفهم لذاتها، وفهم لعلاقتها مع الواقع.
ولكي نحدد موقفا من “ظاهرة” الجيش الحر، يجب أن نفهم الظروف التي أوجدته، ثم ماهية هذا الجيش وطبيعته وتكوينه، ومن ثم علاقته مع الواقع الذي أفرزه، وعلاقاته وارتباطاته عموما.
بداية، يمكننا أن نشير إلى حقيقة تغطية وسائل الإعلام للشأن السوري، حيث يعمل “طرفين” هما الأبرز، فمن جهة نجد الإعلام السوري الرسمي وقناة الدنيا وعدد من الوسائل الإعلامية الأخرى المؤيدة للنظام، ومن جهة أخرى يبرز الإعلام الخليجي والغربي، وعلى وجه التحديد تبرز قناتي الجزيرة والعربية، ومن المؤكد أن هذين “الطرفين” تابعين لأنظمة معينة وبالتالي مرتبطين بخلفية سياسية تعبر عن هذه النظم، وهكذا فإن هذا الإعلام بطرفيه لا يمكن أن يكون موضوعيا لكي نعتمد عليه في استقاء المعلومات وفهم الحقائق، فمصالح وحسابات وسائل الاعلام تلك تبعاً لارتباطاتها السياسية تجعلها تصوّر الأحداث بطريقة محددة تخدم مصالحها، مهما ادّعت من موضوعية.
وبالتالي، لا بد من استقاء المعلومات والحصول على المعطيات من الواقع مباشرة عبر أساليب موثوقة. وأنا هنا أستقي المعلومات والمعطيات من أرض الواقع عبر ناشطين وأصدقاء وتقارير ومشاهدات وتجارب شخصية لهؤلاء ومدعما بالكثير مما هو موثّق.

الجيش السوري الحر
ظروف نشأته:

كان الضابط عبد الرزاق طلاس هو أول المنشقين عن جيش النظام بتاريخ 7 حزيران 2011، وفي تسجيل مصور أعلن عن أسباب انشقاقه وهي ممارسات الجيش الغير إنسانية ومشاهداته لقمع مظاهرات درعا بالرصاص الحي ومجازر قرى درعا مثل أنخل وأزرع وجاسم التي ارتكبها الجيش. إذن كان انشقاقه نتيجة لرفضه المشاركة في القتل وارتكاب المجازر، ولأجل حماية المواطنين والوطن كما قال. ومع استمرار قمع المظاهرات السلمية بالرصاص والقتل وارتكاب المجازر، توالت الانشقاقات عن الجيش وبدأت تتشكل مجموعات وكتائب من المنشقين. ولا شك أن كل من يقرر الانشقاق عن الجيش يضع نفسه مباشرة تحت خطر فقدان حياته وحياة عائلته لعلمه المسبق بردة فعل النظام تجاههم. فالانشقاق كان نتيجة طبيعية لعنف ووحشية النظام تجاه المواطنين، حيث أن أفراد الجيش هم أبناء من ترتكب المجازر بحقهم قبل أي شيء آخر. وكونهم أبناء هذا المجتمع المنتفض، وكون النظام تعامل بوحشية بالغة تجاه هذا المجتمع، وكونه لم يكن أمام المنشقين سوى الهرب خارج سوريا أو حمل السلاح، أدى كل ذلك إلى الانشقاقات وتشكيل مجموعات وكتائب، أطلق عليها لاحقا اسم “الجيش السوري الحر”. فالظروف المادية التي أوجدته هي من صنع النظام ذاته.

تكوينه:
كما أشرنا، فالجيش الحر هو في الأصل عبارة عن منشقين من أبناء القرى والمدن المنتفضة والتي يقمع ويقتل أهلها وتقصف على رؤوسهم. هؤلاء المنشقين بغالبيتهم الساحقة هم من أبناء الطبقات المفقرة، ومن مختلف الأديان والطوائف وإن اختلفت النسب كنتيجة طبيعية لاختلاف أحجام الطوائف في سوريا من جهة، ولأسباب تتعلق بسياسات النظام وطبيعته القمعية وبنية الجيش الذي جعل النظام غالبية كبار ضباطه من الطائفة العلوية محاولاً تثبيت سيطرته الطبقية بأدوات طائفية، من جهة ثانية. فالمنشقين هم بغالبيتهم أبناء الأحياء الفقيرة والأرياف المهمشة والتي هي الأكثر تظاهرا والتي تواجه النصيب الأكبر من القمع وإجرام النظام.
وكنتيجة طبيعية فرضها عنف النظام، لجئ جزء من أبناء تلك المناطق إلى الانضمام لصفوف مجموعات الجيش الحر وحمل السلاح دفاعا عن أهلهم ومناطقهم ودفاعاً عن المظاهرات السلمية التي ما لبثت تخرج وبكثافة حتى هذا اليوم، حيث أن هنالك فهم ثوري متميز لدى السوريين المنتفضين والمسلحين في الجيش الحر، يتعلق هذا الفهم بتكامل الطابعين السلمي والمسلح في الثورة، فالأول يعبر عن طابع الثورة السلمي الذي بدأ مع آذار 2011 ولا زال مستمرا حتى اليوم، والثاني يعبر عن حالة فرضها الواقع وتحديدا عنف النظام.
هنالك سلفيين حملوا السلاح في بعض كتائب الجيش الحر أو في كتائب منفصلة عنه، لكن بعض التكفيريين الأكثر تعصبا والذين يصح تسميتهم بالإرهابيين شكلوا كتائبهم المنفصلة، مثال على ذلك “جبهة النصرة في بلاد الشام” و”كتائب أحرار الشام”. وربما من المفيد هنا ذكر حدوث مشاكل واختلافات بين السلفيين والجيش الحر في أكثر من مكان مثل تصادم حدث منذ فترة وجيزة في حي الميدان الدمشقي على اثر رفع السلفيين لأعلامهم السوداء. ويسعى أصحاب المشاريع السياسية إلى استغلال الجيش الحر إما بالانضمام إليه ولعب دور من داخله، أو بمحاربته.
ومن المعلوم أن الكثير من الكتائب تسمى بأسماء دينية، وهذا يعود غالبا إلى طبيعة المجتمع السوري المتدين والإرث الثقافي الإسلامي، لكن يمكن ملاحظة تسميات شاذة لبعض مجموعات الجيش الحر وتعبر عن عقيدة طائفية يبثها بعض الممولين القابعين في الخارج، لكن الخطاب الطائفي بقي بعيداً عن خطاب الثورة العلني والواضح والمباشر الذي يشهر أهداف الثورة على أنها تتجه لإقامة دولة مدنية ديمقراطية لجميع السوريين، لذلك يبقى هذا النوع “الطائفي” من الكتائب المقاتلة قليل ومحصور بأصحاب توجه سلفي أو ذو وعي سياسي شبه معدوم، لذلك هي لا تعبّر حقيقة عن الجيش الحر، وتعميم الجزء على الكل هو بمثابة تحريف للحقيقة.
باختصار شديد، و بما أن الجيش الحر هو من أبناء هذا المجتمع بطبقاته الفقيرة والمتوسطة، فهو يشبهها بتكوينها وأخلاقها وبخلفياتها السياسية وتنوعها، ففيه المتديّن العادي والمتعصّب كما فيه العلماني، وفيه السّني والدرزي والعلوي والمسيحي والعربي والكردي… فهو صورة عن المجتمع المنتفض.

تنظيمه:

كان من الصعب لا بل من المستحيل تشكيل هيكلية تنظيمية للجيش الحر وتوحيد المجموعات المنشقة فيه، ويرتبط ذلك بعنف النظام الكبير الذي طال معظم مناطق سوريا، وبالتالي حصول انشقاقات عن الجيش في مناطق متعددة ومتفرقة تفصلها مسافات شاسعة، ولأن قبضة النظام الأمنية قوية واستثنائية، ونتيجة الحصار الذي فرض على مدن مختلفة، إضافة إلى صعوبات الاتصال البالغة بسبب مراقبة وقطع وسائل الاتصال وعدم توفّر أجهزة اتصال حديثة، وإضافة إلى انهماك المجموعات المنشقة بنشاطها المسلح… لذلك يمكن اعتبار “الجيش الحر” تعبير هلامي يطلق تلقائيا على مجموعات المنشقين المنتشرة والمتفرقة هنا وهناك.
رغم ذلك فقد حصل تقدم نسبي على صعيد التنظيم في الفترة الأخيرة، نتيجة ضعف وإرهاق وتفكك المؤسسات الأمنية من جهة، ونتيجة تعاظم قوة مجموعات الجيش الحر حجما وعددا وانتشارا، فتصاعدت جهود هذه المجموعات في تنظيم نفسها وعملها في المناطق السورية الثائرة، فتشكلت مجالس عسكرية على صعيد المحافظات. لكن رغم ذلك يبقى الجيش الحر بدون هيكلية تنظيمية حقيقية أو تنظيم جامع لكل المجموعات المنشقة، وهذا ما يجعله بعيدا عن أية مشاريع سياسية يقال أنه ينفذها.
العقيد رياض الأسعد المتواجد في تركيا والذي يُعد قائدا للجيش الحر يواجه حالة استياء ورفض من مجموعات من الجيش الحر بالداخل، فقيادة الجيش الحر في الداخل التي تشكلت مؤخرا قد حملت على الأسعد وقالت أن قيادة الداخل هي وحدها من يحق له إصدار البيانات واتخاذ القرارات باسم الجيش الحر، وأن من “أراد التكلم باسم الجيش الحر فليتوجه إلى أرض الميدان، وليكن على أرض المعركة وليس في الإعلام”، وقال إن رياض الأسعد “لا يمثل إلا نفسه”، وقال إن “أولادنا” هم الذين يذبحون، لا أطفال الذين يقيمون في الفنادق والمخيمات”. لذلك، لا يجوز إطلاقا اعتبار أن “الجيش الحر” تابع لرياض الأسعد ومرتبط كما ارتباطات رياض الأسعد.

علاقته مع المجتمع السوري:

كما تُبين تصاريح وبيانات الجيش الحر، بشكل عام يمكن ملاحظة خطاب وطني جامع وانعدام للخطاب الطائفي، بل الكثير منها أكدت على نبذ الطائفية، فهو ابن هذا المجتمع المنتفض الذي رفض الانجرار إلى الطائفية. وفي دير الزور مثال واضح على مستوى الوعي والحس الوطني الذي يتحلى به الجيش الحر، فالمجلس العسكري في دير الزور أصدر قوانين على أفراد الجيش الحر أذكر بعضا منها: 1-يمنع التعرّض لأي عسكري إلا في حالات الدفاع والاشتباكات 2-يمنع إقامة حواجز للجيش الحر والتضييق على أحد؛ 3-يمنع قتل مخبر للنظام، بل إن تم الإمساك به يتم معاقبته ضربا وتسليمه إلى أهله؛ 4-يمنع التعرّض للعلويين في دير الزور؛ 5-على أفراد الجيش الحر العمل (حصاد، بناء، شراء وبيع…) وعدم طلب مساعدات من الأهالي؛ 6-عدم قبول أي شخص بالجيش الحر إلا العسكريين المنشقين أو من خدم في الجيش مطلوب ومطارد. وقد قام الجيش الحر في “موحسن” في دير الزور بحصاد القمح والشعير في مزرعة تابعة للدولة في منطقة البوليل تجنبا من حرقها من قبل الأمن والشبيحة كعادتهم، وقاموا بتوزيع الإنتاج على الفقراء والمحتاجين في المنطقة.
في المدن التي تتم محاصرتها يعمل الجيش الحر على تأمين الحاجات الأساسية للأهالي، من أدوية وطعام ومياه، وفي حالات القصف والمجازر يعمل على إنقاذ المصابين والمهدمة بيوتهم ويقوم بحماية المدن والأحياء والقرى بإمكانياته المتواضعة. لذلك نجد إلتفافا شعبيا كبيرا حوله في تلك المناطق، ونجد في المظاهرات اليومية شعارات مؤيدية وداعمة للجيش الحر.
من ناحية أخرى، نسمع إنتقادات من قبل الأهالي ومعارضين وناشطين لممارسات يقوم بها الجيش الحر، وهنا لا أشمل كل مجموعات الجيش الحر. ومن غير الممكن نفي وجود هذه الممارسات، فالفوضى الموجودة في سوريا والظروف القاسية، بالإضافة للقمع الشديد خلال عقود حزب البعث المسيطر على المجتمع، لا بد أن تنعكس على المجتمع وعلى ثورته (وكيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به، وتهدمه وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً؟ – مهدي عامل، الثقافة والثورة). أضف إلى ذلك استغلال بعض الأصوليين الإسلاميين وجود الجيش الحر لممارسة أفكارهم، كما أن هنالك مجموعات من هؤلاء تدعي انتمائها إلى الجيش الحر لتمارس ما تمارسه، محتمية بشرعية شعبية للجيش الحر.

علاقته مع الخارج:

رغم أن معظم السلاح هو من الداخل (سلاح المنشقين، غنائم، شراء…)، لكننا دائما ما نسمع دعوات تطالب بدعم وتسليح الجيش الحر. منذ ظهور الجيش الحر كانت علاقته غير وثيقة الصلة مع المجلس الوطني السوري، ولازالت حتى اليوم بل وزادت حدة، فالمجلس الوطني تمهّل وتأخّر كثيرا حتى “رضي” مرغما تحت الضغط الشعبي بالاعتراف بالجيش الحر، سعيا للحفاظ على شرعيته المتبقية عند الشعب السوري. ورغم الاعتراف والتواصل لم تتوطد العلاقة بحيث يصبح الجيش الحر هو الذراع المسلح للمجلس الوطني على ما تدعي بعض وسائل الإعلام وبعض المعارضين، وعبّر الجيش الحر في الكثير من الأحيان عن ذلك كما عبّر عنه الشارع المنتفض مرارا وتكرارا، ومن الشعارات المشهورة في هذا الخصوص: “يسقط نزلاء الفنادق .. يحيا ثوار الخنادق”. وكما ذكرت سابقا، فقد “أسقطت” قيادة الجيش الحر في الداخل العقيد رياض الأسعد المتواجد في تركيا من حساباتها، وهو ما يذكرنا “بسقوط” المجلس الوطني شعبيا أيضاً. وفي المواقف الدولية الغربية نرى عدم وجود أي نيّة لتسليح الجيش الحر، ومصالح وحسابات تلك الدول توضح هذا الموقف، فهي لا ترى أنها ستجني مكسب سياسي حقيقي مقابل التسليح. وقد صرّح الضابط الأكبر في الجيش الأميركي “دمبسي” باعتقادهم أن المعارضة المسلّحة مرتبطة بالقاعدة، ما يشير إلى شكوك الولايات المتحدة حول ولاء الجيش الحر لها في حال دعمها له، فهي تريد جهة تثق بها لتدعها، ولا تجد ذلك في الجيش الحر. كما أنه لا شيء يضمن لها “توقف التاريخ” في سوريا بعد سقوط الأسد وسلطته وتشكيل السلطة التي تودّها، والتجربة المصرية توضح عدم نجاحها في الالتفاف على الثورة عبر تشكيل سلطة جديدة، فالشارع لازال منتفضا. ودول الخليج، وتحديدا السعودية وقطر، رغم تأييدهما الإعلامي للثورة السورية ولدعم الجيش الحر، فهم في الواقع لم يدعموه، وهذا يشير إلى تخوفات شبيهة بتخوفات أميركا، إضافة إلى خوفها من امتداد الثورة نحوها بعد سقوط النظام. فقد أصدرت وزارة الداخلية السعودية بتاريخ 28-5 أوامر أمنية مشددة بوقف حملات التبرع للشعب السوري والجيش الحر، وأخذت تعهدات خطية من القائمين على الحملات بعدم جمع أي تبرعات لسوريا، تحت طائلة المعاقبة.
إن طابع الجيش الحر الشعبي واستقلاليته عن سيطرة المجلس الوطني هو أمر مقلق جدا لهذا المجلس كما للدول الامبريالية وللأنظمة الخليجية.

ـــــــــــــــــــــــ
نقد ذاتي:
كنت منذ بداية الثورة السورية وحتى فترة وجيزة أؤمن بأن الجانب العسكري من الثورة هو أكثر ماأضرّ بها، وكنت أبني رأيي على معرفة مشوشة ومشوهة عن حقيقة الجيش الحر من ناحية، وأيضا على ما حصل في باباعمرو وغيرها حيث (كما ظننت) أن النظام كان يقصف ويدمر لأجل القضاء على الجيش الحر أو بسبب وجوده هناك على الأقل، وبالتالي كان الجيش الحر سببا للدمار والقتل الذي حلّ في باباعمرو وغيرها… يبقى هذا الكلام صحيح بنسبة معينة ربما، إنما يبدو جليّا أن وجود الجيش الحر أو عدمه ليس سبب الكثير من المجازر والقصف العشوائي اليومي على مدن وقرى مختلفة. فقد ارتكب النظام أبشع المجازر في أماكن لا تواجد فيها للجيش الحر وقد قصف مدنا وقرى بشكل عشوائي وسقط عشرات الشهداء من المدنيين العزل فقط، وقد فعلها قبل وجود الجيش الحر من أساسه. لذلك الجيش الحر ليس هو سبب القصف والتدمير والقتل المجازر.. بل ذلك هو سبب وجود الجيش الحر. والجيش الحر لم يتم فرضه أو تشكيله عبر يد خارجية، بل كانت الظروف هي من فرض نشوئه تشكله، فالواقع تطلّب وجوده ليلعب دورا ما.
ان الثورة السورية هي ثورة شعبية في وجه نظام نهب وأفقر وأذل الشعب، وهي من اجل إسقاطه استخدمت جميع الوسائل الشعبية التي ابتكرتها الثورة خلال أشهر تطورها، لذلك كان السلاح الذي هدف إلى حماية التظاهرات السلمية، كان احد مراحل تطور الثورة، هذه الثورة التي ستستمر بالتطور حتى إسقاط النظام.

حازم عثمان
13-6-2012

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...