GD Star Rating
loading...

عندما أعود بذاكرتي الى الوراء وتحديداً عندما كنا على مقاعد الدراسة, أتذكر بعض المواقف المضحكة المبكية, منها ماعرفنا معناها عند الكبر, ومنها ما تكشفت خُيوطها بعد إنطلاقة ثورة الكرامة.

منذ أن وعينا على الوجود يستطيع أي سوريٍ منا في عهد الأب وحتى الإبن أن يتنبأ بنشرة الأخبار قبل سماعها والأحداث قبل وقوعها والبرامج قبل إذاعتها, حيث تبدأ البرامج الإذاعية والتلفزيونية كالمعتاد بتلاوة عطرة لبعض أشعار الحزب وأغانيه القومية, يتخللها الأحاديث القدسية والمقولات الخالدة للقائد المفدى, ثم تنتقل الى سيمفونية السيد الرئيس, حيث استقبل السيد الرئيس, وزار السيد الرئيس, وتناول السيد الرئيس و…. السيد الرئيس, ومن كثرة ما اُمتدح به السيد الرئيس الأب وما رُوج له حتى نشأ جيل كامل يعتقد بأن السيد الرئيس قدم للبشرية أكثر مما قدم إليها السيد المسيح, ومن حنكته السياسية الخارقة الى درجة أنه “دَوّخَ” كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق عندما التقاها, وهو الذي ساعد ابن خلدون في كتابة مقدمة كتابه “العبر وديوان المبتدأ والخبر”, وفي الطب كان له اليد الطولى في إكتشاف الدورة الدموية الصغرى مع ابن النفيس. بإختصار, حشوا في عقولنا بأن السيد الرئيس الأب هو القائد الخالد المفدى الهصول الذي ركَّعَ جبابرة أمريكا ومرّغَ رؤوس الأوروبيين بالوحل, كيف لا وقد علمونا أيضاً أساتذتنا الأفاضل بأن الحديث القدسي هو ذاك الحديث الذي يرويه السيد الرئيس والكلمات التي يلقيها كلها تاريخية وأعماله كلها مفخرة ومأثرة للأجيال القادمة وله بعض الكرامات “اذا بدّك”, وكنتيجة لذلك ولعمليات غسيل الدماغ التي تحصل في المدارس ومعسكرات طلائع البعث, روى قريب لي بأنه ذكر مرة أمام أولاده اسم السيد الرئيس الأب وما كاد أن ينتهي من ذكره حتى صرخوا جميعاً بأعلى صوتهم “صلى الله عليه وسلم”.

صدعوا رؤسنا من كثرة ما كان يتردد في المدارس والكليات والجامعات والندوات من شعارات طنانة رنانة تشحذ الهمم ولها وقع في النفوس, والتي من ضمنها كان الشعار الخالد “أمة عربية واحدة, ذات رسالة خالدة” علماً بأنه لم ير أو يسمع أحد من العالمين ناهيك عن السوريين بأي محاولة منذ أربعين عاماً للإتحاد مع أي دولة عربية شقيقة لتطبيق الشق الأول من الشعار, أما بالنسبة للرسالة الخالدة فلا أحد يعلم بالضبط ماهي الرسالة الخالدة ولمن موجهة, ويبقى المعنى في قلب الشاعر ونظام البعث. أما عن شعار الجيش العربي السوري “وطن – شرف – إخلاص” فبات الجميع يعلم بأنه عندما وُضع الجيش على المحك كيف أُختصر الوطن بشخص وترجم الشرف بالإغتصاب والإخلاص لطائفة بعينها لا لشعب برمته. وأما المعزوفة التي دأب النظام على تلحينها منذ استلامه الحكم ويطرب لها “القومجيون العرب” بأن سوريا هي بلد الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة و… ,فلم يعد خفيٌ على أحد حتى على أعوان النظام بما صنع النظام البعثي بالإسرائيليين في الجولان بعد 1973 والى الآن, وماذا صنع بالسوريين من 2011 والى الآن, وفهمكم كفاية لمعرفة لمن التصدي ومن يقاوم؟!.

وأتذكر أيضاً من ضمن الشعارات الصباحية اليومية التي كنا نرددها في المدارس الإبتدائية كفاتحة الكتاب “وأن نسحق عصابة الإخوان المسلمين العميلة” ولم نكن نعي بعد ماذا تعني كلمة عصابة, وعندما كبرنا أدركنا معنى كلمة عصابة ولكن لم ندرك بعد لمن كانت عميلة!. زرعوا في عقولنا منذ صغرنا من كثرة ما كان يتردد في الإعلام المسموع والمرئي عن هذه العصابة بأنهم ليسوا بشراً أسوياء بل هم وحوش يحبون القتل والدماء, وهمهم الأول هو السلطة والعودة بنا الى الوراء الى عصور ماقبل الإنحطاط, حتى باتت كلمة “إخونجي” هي أقسى وأوسخ كلمة يُنعت بها شخص إرتكب جُرماً فظيعاً, فإذا أردت أن تنال من شخص معين يكفي أن تقول له “انت واحد اخوانجي” بدل من كلمة “انت واحد يهودي” سابقاً, واذا ثبتت عليه التهمة فسيلقى في غياهب السجون الى أمد غير معلوم أو يحشر في ظلمات القبور الى اليوم المعلوم. وتذكرني كلمة إخوانجي بكلمة “بابا حسن” التي كانت تُطلق في بلاد الشام على الرجل السيئ الصيت, وأصلها “أبا الحسن” علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الذي لُعن على المنابر مدة أربعين عاماً من قِبل معاوية بن أبي سفيان حتى أوقفها الخليفة عمر بن عبدالعزيز. فما أشبه اليوم بالغد, وما أشبه اللعنة التي قُذف بها آل البيت أربعون عاماً باللعنة التي حلت على السوريين خاصة والأمة العربية عامة منذ أربعين عاماً, وما أشبه نظام الحكم الذي حوله معاوية من نظام الخلافة الى نظام الوراثة بذاك الذي حوله الأسد الأب من نظام جمهوري الى نظام ملكي, حتى كان لنا الفخر كسوريين بابتداع أول نظام عالمي يجمع بين النظام الجمهوري والتوريث الملكي, وبات يعرف بالنظام “الجملكي”.

منذ أن كنا صغاراً كان التكلم في السياسة إنتحار, ولذلك كان والدنا ينهرنا ويقول إن كان ولابد فأخفضوا أصواتكم لأن “الحيطان إلها آذان”, ويركض مهرولاً ليغلق النافذة المطلة على الشارع العام, وكان دائماً يقول أنتم لا تحسبون النتائج, ألا تعرفون ما حل بفلان وفلان الذين خاضوا في السياسة يوماً ومن بعدها “راحوا لبيت خالتون ولهلئ الدبان الأزرق ما بيعرف وينون! “. حتى أنه روى لنا أحد معارفنا والذي كان يمتلك “فوبيا” فظيعة بكل ما يمت الى السياسة والساسة والأمن السوري بصلة في عهد الأسد الأب لدرجة أنه عندما أُشيع نبأ وفاة الأخير لم يصدق صاحبنا الخبر, كيف لا وقد بايعناه قائدنا الى الأبد… وهل يجرؤ أن يخطر على بال أحد بأن يموت الأسد…! فعزم أن يشد الرحال الى قبره الشريف وتذرع بقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة في قريته “القرداحة” التي باركنا حولها ليتأكد من صحة هذه الرواية. وفعلاً ذهب صاحبنا بباصات النقل الداخلي التي كُرست لمدة عام لنقل المحبين الى الروضة الشريفة وعندما وصل أمام الحضرة كانت فرائصه ترتعد من الخوف ومن هول المنظر نسيَّ الفاتحة ولم يجر على لسانه إلا المعوذات ولم يكن مصدقاً بأن أمتاراً قليلةً كانت تفصله عن الأسد, وكان ينظر الى القبر مذهولاً مقسماً بأنه كان يتوقع خروجه من جنبات القبر في أية لحظة ليطبق على عنقه, ولكن عندما لاحظ الكميات الهائلة من التراب فوقه وأطنان من ألواح الرخام تغطي القبر, أيقن بأنه لن يقوم الأسد… فقد مات الى الأبد…

دخلنا المرحلة الجامعية وكلنا أمل بأن الوضع هناك سيكون أفضل مما قبله, ولكني تفاجأت منذ البداية بأن كل مايهم زملائي حتى قبل التخرج هو أن يكونوا أعضاء عاملين في الحزب البعثي الحاكم, لأنهم وجدوا بأن جميع الوظائف والمناصب والتعينات المباشرة وغير المباشرة توزع على أولئك المنتسبين للحزب وليس حسب الكفاءات أو الشهادات العلمية. وفي السنة الأخيرة لاحظنا بأن زملائنا الذين هم أقلُ منّا كفاءةً وذكاءً وعلماً توجهوا لمتابعة دراساتهم العليا في إحدى الدول الإشتراكية الكبرى وقتئذ, بينما الأوائل على دفعتنا أي “المعيدون” أُرسلوا الى اليمن ومصر للتخصص!. ومن ضمن أولئك الطلاب كان لي زميل عضو عامل في الحزب وكان من “الشباب الطيبة” حيث أُرسل وقتها الى الإتحاد السوفيتي للحصول على الدكتوراه, وعندما عاد مع زوجته الروسية, عُيّن أستاذاً في إحدى الجامعات السورية, ولما حاضر بطلابه في الجامعة تبين للطلاب بأن معلوماته العلمية التخصصية ضحلة جداً, ولدى السؤال عنه لزميل لي كان معه في نفس الجامعة في الخارج قال بأن هذا الشخص قد أتته الأطروحة جاهزة ومكتوبة وبظرف مختوم, وما كان عليه إلا أن يقدمها للجنة العلمية ليحصل بعدها على شهادة الدكتوراه في تخصصه. يحدث هذا في أعلى الهرم الأكاديمي لبناة الأجيال فما بالكم بحجم الفساد الحاصل في طبقة الموظفين… حدث ولا حرج.

ومن الروايات التي كنا نسمعها من أجدادنا وآبائنا عندما كنا صغاراً بأن المناطق الساحلية كانت من أفقر المدن السورية وكان سكانها يعيشون في المناطق الجبلية مع حيواناتهم بنفس “الحوش”, وأكثرهم يعمل بالزراعة. ليس هنا بيت القصيد لأن الفقر ليس عيباً والعمل شرفٌ لصاحبه, ولكن المفارقة بأننا عندما كبرنا وجدنا أبناء هذه الطائفة وقد تحولوا بقدرة قادر خلال أقل من ثلاثين عاماً الى أغنى أغنياء البلد, وقد غزوا المدن الكبرى وخاصة دمشق, وباتوا لا يركبون إلا أحدث موديلات السيارات وقتها وخاصة الشائع منها كالمارسيدس “الشبح”, ليتحولوا فيما بعد الثورة المباركة الى “شبيحة النظام”, ومن ثم ليتحول النظام بأكمله الى “نظام الشبيحة”.

كنا نهاب كل من كان يتكلم “بالقاف” لأن ذلك دليل على أنه من المنطقة الساحلية, وبالتالي بالضرورة له “ظهر” أي يتوقع أن يكون أباه أو أحداً من عائلته ضابطاً في الأمن أو الجيش أو الشرطة, ولذلك كنا نمرر له “الطابة” عندما كنا نلعب كرة قدم ونحن متأكدون بأنه لن يفلح بتسجيل هدف, وباتت هذه اللكنة تعبر عن منطق القوة والبطش والظلم. وروي على مسامعنا بأنه كان هناك مشاجرة بين شابين في الشاغور “وهو أحد أحياء دمشق” يتقاتلان في الشارع العام وكان أحدهما يقول للثاني وبلكنة ساحلية “قُردُ ولوُ” والثاني كان يرد بدوره “وحق ربي لقلُوا لبَييّ ليأدب عيلتك” وعندما أُقتيدا معاً الى أقرب مغفر للشرطة للنظر بأمرهما, تبين بأن الإثنين “شوام” من “الشاغور والميدان” أي من أحياء دمشق القديمة وأبواهما يعملان في سوق الخضرة “سوق الهال” ولكن كانوا يتكلمون بهذه اللهجة “ليضبع” كلٌ منهما الآخر. حتى أصبح سائداً بين الناس “قاقي بالمؤسسات الحكومية ومعاملتك بتمشي بسرعة”.

بات معروف للجميع في سورية وخاصةً طبقة التجار الكبار بأنه لا يمكن لأي تاجر أن يصبح ناجحاً في تجارته إلا اذا شارك أحد أفراد العائلة الحاكمة, هذا إذا كان المشروع على مستوى كبير ويدر بالربح الملايين. أما اذا كان التاجر من “صغار الكسبة” فهذا لا يعفيه أيضاً من مشاركة أحد الضباط ذوي الرتب الدنيا, وهكذا دواليك… أي حسب كبر وصغر المشروع يتحدد كبر وصغر الرتبة المشاركة, لدرجة أن أفراد عائلتي كانوا مقتنعيين بأنه لو لم يكن لجارنا أبو محمد السمان “الخضرجي” الذي يمتلك “دكان” صغيرة على ناصية الشارع شريك في المحل لما استطاع أن يُعمر فيلا في قريته. وبالتالي منذ 40 عاماً, لم يستطع قرابة الـ 20 مليون سوري أن يُشبعوا قرابة الـ 20 شخص من آل الأسد ومخلوف وشاليش. والغريب في الأمر بأن هذا المسلسل مستمر بالعرض من وقتها والى الأن ومازال المشاهدون يراهنون على تصديق الأحداث والممثلين.

آه يا بلد… فقد سرقوكَ حتى الثمالة على مدى أربعين عاماً, وعندما أردت أن تستعيد عافيتكَ قتلوك… وقبل أن يدفنوك… سرقوا الكفن الأبيض من نعشك وكتبوا عليه “مؤامرة…”. آه يا بلد… فقد زرعوا فينا كذبة كبيرة… سموها وطن… .

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...