GD Star Rating
loading...

أبو نضّارة

لمحة:

في موقعها على الانترنت، تُعرّف شركة “أبو نضّارة” بنفسها كشركة تأسست في عام 2010 لتنتج أفلاماً وثائقية بلغة سينمائية جامعة، أفلاماً قابلة للبث عبر مختلف الشاشات والنوافذ، موظفِّة الانترنت لخدمة مشروعها. وقد أنتجت  قرابة 12 فيلماً وثائقياً عن المجتمع السوري في الظل، لا يحمل أي منها اسم مخرج أو أسماء الفريق الفني، مدة كل واحد منها أكثر من أربع دقائق بقليل: “مؤمنون بلا منابر”، “طبّاع لم يتطبّع”، “سواعد البعث”، وغيرها وكانت بموازاة ذلك تعمل على عدد من المشاريع منها سلسلة أفلام قصيرة عن عمالة الأطفال والمهن في طور الإندثار وفيلم طويل حول ذاكرة الدب السوري.

بعد شهر من اندلاع  الثورة السورية، أعلنت الشركة نهجاً جديداً في العمل من خلال بيان أصدرته على صفحتها على الفيسبوك، نهجاً سوف تطلق عليه اسم “سينما الطوارئ”، ومن ثم تحولت إلى مجموعة سرية أخذت تنشر فيلماً قصيراً كل يوم جمعة بالتزامن مع حشد المظاهرات الأسبوعية التي عمّت أرجاء البلد. هذا العرف والإتفاق الضمني مع جمهورها المتزايد، كرّس علاقة خاصة ذات بعد مسرحي آني (هنا/ الآن) أغنى هذه التجربة السينمائية التسجيلية المميّزة، وقد حققت حضوراً لافتاً.

لا شك أن السينمائي السوري اليوم، فرداً أو مجموعة،  يجد نفسه أمام تحديات رئيسة، أولها التلفزيون والفضائيات التي أضافت إلى علاقتها التنافسية القديمة مع السينما بعداً جديداً خلال الثورة السورية، ليس فقط بسبب  ساعات البث المباشر الطويلة للأخبار والصور الحية، بل لأن هذه المحطات استثمرت في نقل الفيديوهات الوثائقية التي تخرج يومياً من شباب الثورة غير المحترف وقد تجاوز بعضها كل متخيل: أكان تراجيدياً، شعرياً، أو كما في حالات عديدة خلاقاً بتصوير لحظات استثنائية من الكوميديا السوداء. وكذلك في مواجهات ومعارك حية والأهم في مظاهرات مذهلة في فنيتها، أحيت تراثاً سورياً غنياً من الفنون التقليدية: الغناء والرقص والشعر وابتكرت أدوات تعبير جديدة تصويرية، كرنفالية وطقسية.

وهذا بالتأكيد يضعنا أمام سؤال هام: ما دورعمل قصير المدة يتراوح بين ( 35 ثانية و4.55 دقيقة ) بين هذا الكم البصري؟ وكيف له أن يحمل خطاباً أبعد أو أعمق من الواقع المعاش والمصور، من يخاطب ولماذا الحاجة له؟

يـُقدم فريق أبو نضارة لمشروعه السينمائي إذاً ببيان نشره بتاريخ 15 نيسان 2011 وعنوانه “ما العمل؟”.

نص البيان

ما العمل ؟… هم يهتفون “واحد، واحد، واحد / الشعب السوري واحد” ثم يتساقطون الواحد تلو الواحد. ونحن متسمّرون خلف جدار شاشتنا، نرغي ونزبد ونبكي من شدة عجزنا، آملين ألا يستفرد بنا الغول كما استفرد بهم. هم أخوتنا بالطبع. ونحن ندعمهم بالتأكيد. لكننا نتكتّم أو نتستّر أو نتخفّى أو ننتظر لنرى ما سيحدث يوم الجمعة. فالحكيم لا يجابه أبداً، يوصينا الحكيم أدونيس.

ما العمل إذاً ؟… في مثل هذه الأيام من العام 1860، كان السؤال يطرح نفسه وكانت البلاد عرضة للفتنة، تحاصرها إنكشارية السلطان من الأمام وشبّيحته من الوراء. فجاء الجواب على يد نجّار ابتكر فناً أصيلاً يجسد رغبة السوريين بالعيش المشترك في إطار وطني من صنع أيديهم. يكاد أحد لا يذكر اسم ذاك النجار الدمشقي الذي فاضت قريحته الفنية بينما كان المعلم بطرس البستاني يدعو لشيء جديد اسمه “وطن” يضم كافة الأهالي أيا كان دينهم (الدين لله والوطن للجميع). لكن الجميع يذكر فن الموزاييك الذي ابتكره نجّارنا بتوليفه عناصر متنوعة من الخشب والصدف والعظم في إطار متجانس يجمع ما بين الفسيفساء البيزنطية والفن العربي الإسلامي. ذلك أن الموزاييك أصبح رمزاً من الرموز الوطنية التي يتفاخر بها أهالي سورية كما رئيسها أمام ضيوفهم الأجانب.

نحن اليوم أمام غول يهدد بتكسير إطارنا على رؤوسنا. لكن الغول غولنا ولا يسعنا إلا أن ندعوه للعودة إلى إنسانيتنا ومن ثم إلى صفوف شعبنا السوري الواحد. هذا تحديداً ما يفعله أخوتنا الذين يجابهون الرصاص بالورود والأغاني. وهذا ما علينا أن نفعله بدورنا من خلال إنتاج صور وموسيقى لائقة، تخاطب السوريين على أساس إنسانيتهم المشتركة، بعيداً عن الكيدية والابتذال التي تنزلق إليها وسائل الإعلام الموالية كما المعارضة… آمين!

كان لنا مع “أبو نضّارة” الحوار الشيّق التالي:

كما تعرفون، واحدة من سمات ثقافتنا المعاصرة هي شره الصحافة المرئية، المسموعة والمقروءة وسعيها المحموم للإمساك بالمبدع الفرد وانشغالها الدائم بإعادة إنتاج صورته: حياته الشخصية، اهتماماته، دراسته وخلفيته…، إلى حد قد يتجاوز الاهتمام بالعمل الفني ذاته. ولهذا تضعنا مقابلة فريق فني يحمل توقيعاً جماعياً أمام مأزق طريف: كيف سنتجنب سؤالاً بديهياً “مّن أنتم؟”. ولا شك أن جانباً من جوانب قراءة تجربة “أبو نضّارة” الهامة هي التواطىء معكم في محاولتكم طمس الهوية الذاتية الفردية للسينمائي الفرد صانع العمل لصالح اللغة السينمائية وخطابها المصور والمكثّف في فيلم قصير جداً.. لا يقف، بالتأكيد، معزولاً كوحدة مستقلة بل محطة في متتالية هندسية مفتوحة، إن تغري بشيء فهو بتتبع الأثر لهذه التجربة فنياً وثورياً: أصلها ومنبعها.

المندسة: لماذا الاسم “أبو نضّارة”؟

لم يكن سهلاً اعتماد هكذا اسم قبل الثورة حيث كانت الفخفخة أو التفرنج هي السائدة في مجال السينما والثقافة عموماً، حتى أن بعض الأصدقاء اعتبره غير لائق بمشروع سينمائي “جاد”. لكننا كنا مصرين على إعلان التزامنا بـ”جماليات جديدة يمكنها أن تقلقل الذوق السائد”، حسب قول سعد الله ونوس. والحال أن “أبو نضارة” اسم يعكس صورة الفنان أو المثقف لدى عامة الناس الذين نسعى لرد الاعتبار لصورتهم المُغيّبة أو المنتهكة، وقد اعتمده من قبلنا المعلم يعقوب صنوع (1839-1912)، أحد رواد المسرح والصحافة الساخرة في عصر النهضة، وذلك بعدما سمع رجلاً من عامة المصريين يناديه بهذا الاسم. ضف إلى ذلك أنه يحاكي عنوان أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما الوثائقية، “الرجل ذو الكاميرا”، للمخرج السوفيتي دزيغا فرتوف

المندسة: ما سبب تفضيلكم النشر على قناة فيمو.. علماً أن رصد أعداد المشاهدين وردود فعلهم من إعجاب أو مشاركة قد يعتبر أسهل على اليوتيوب؟

السينما التي نصنع هي سينما متقشفة من حيث الشكل والمضمون. أفلامنا القصيرة مكثفة وتسعى للمضي بالمشاهد بعيداً عن اللغة البصرية السائدة في التلفزيون والشارع، التي تتسم بالعجقة وكثرة المُحرّضات. المشكلة مع قناة اليوتوب أنها منحازة كلياً لتلك اللغة، بل وتفرضها بشكل سافر من خلال الدعايات التي تحاصر شاشة المشاهد أو تغزوها بلا إذن ولا دستور. باختصار، اليوتوب تعمل على إثارة غريزة المستهلك لدى المشاهد، في حين أن أفلامنا تدعوه للاستغراق في متعة الفرجة وقلق الفكرة. يبقى السؤال : لماذا لا نتنازل قليلاً عن متطلباتنا الجمالية مقابل انتشار أوسع لأفلامنا ؟ لقد طرحنا هذا السؤال على أنفسنا غير مرة. والحقيقة أننا لم نتوصل لإجابة شافية بعد. ربما لأننا على يقين أن خيارنا لقناة مغايرة أكثر احتراماً للمشاهد سيزيد من رصيد أفلامنا ويسهل وصولها إلى الجمهور العريض في نهاية الأمر.

المندسة: ما دلالة عبارة “لذا وجب التنويه” في مقدمة كل فيلم؟

نحن ملتزمون بلغة السينما ونجاهد للحفاظ على خصوصية هذه اللغة بعيداً عن المواقف الكلامية والثرثرة السياسية التي تخلط الحابل بالنابل تحت غطاء الثورة. هذا الالتزام، نترجمه من خلال فيلم أسبوعي قصير يعبر عن موقفنا في إطار فني لا مكان فيه حالياً لاسم المخرج أو صورته أو صوته، الأمر الذي يضطرنا للاستعانة بنص قصير لتقديم الفيلم. لكن كيف لنا أن نضيف نصاً مكتوباً على الفيلم دون أن نخل بقانون الفن ونقع في فخ الثرثرة ؟ لقد أجاب آباؤنا السينمائيين على هذا السؤال من خلال مخاطبة المشاهد بشكل مباشر في مستهل بعض الأفلام حيث يظهر نص قصير قبيل العنوان ليفصح عن رؤية المخرج أو دوافعه، مذيلاً بعبارة “لذا وجب التنويه”. والحال أن هذه العبارة تقترن عموماً بلغة رسمية يشوبها الحياد المصطنع أو النفاق، خاصة عندما يدعي المخرج أن أي تشابه بين شخصيات فيلمه وشخصيات حقيقية هو محض صدفة. وبما أن ثورتنا لا تستسيغ المراوغة، فقد قررنا أن نستخدم العبارة الرسمية إياها في سياق أكثر وضوحاً مع شيء من التهكم. باختصار، نحن ملتزمون بنهج الآباء الرافض للثرثرة السياسية والأماني الطيبة، لكننا نسمح لأنفسنا باستخدام حيز الكلام المتاح للسينمائي دون لف ودوران.

المندسة: هل للفريق نواة ثابتة أم أنكم تضمّون باستمرار سينمائيين جدد؟

ما يمكننا قوله هو أن مجموعة أبو نضارة تضم نواة ثابتة متفرغة للعمل دون مقابل مادي، أي بدون تقاضي راتب أو مكافآت من أي نوع، كوننا لم نحصل حتى الساعة على أية مساعدة مالية من أي جهة كانت رغم تقدمنا بغير طلب إلى المؤسسات العربية والأوروبية الداعمة للإنتاج السينمائي. بالإضافة إلى هذه النواة، هناك مجموعة من السينمائيين وغير السينمائيين يساهمون في المجموعة بشكل منتظم أو متقطع. ونحن في حالة بحث دائم عن شركاء يعملون معنا على تقديم صورة لائقة للمجتمع السوري، وذلك على أساس الالتزام بتحييد الأنا وعدم توخي الربح، بانتظار أن نخلص ذات يوم إلى تحقيق مردود نتقاسمه كل حسب مساهمته.

المندسة: كيف تمكنتم من خلق تجربة جماعية ذات رؤية واضحة، والحفاظ على استمراريتها وديمومتها في ظل ظروف مريعة من الخطر والملاحقة؟ وإلى ماذا يعود نجاح التجربة بالدرجة الأولى: توفر رغبة جماعية بالتجريب والمغامرة أم وجود مـُلهم بينكم، أوأكثر، ذي قدرة قيادية ؟

من الصعب الإجابة على هذا السؤال حالياً، خاصة وانه تنقصنا المسافة اللازمة لتقييم تجربتنا. لكن المؤكد أن للجمهور دور أساسي كونه أول من اعترف بأفلامنا ولم يزل يحتفي بها كل يوم جمعة. لولا هذا الاعتراف المباشر بقيمة عملنا لما كانت أسعفتنا الموهبة والإرادة، وكنا غرقنا في حالة “السينما بدون جمهور” التي أودت بالكثير من المواهب والتجارب السورية من قبلنا. ولربما هي المرة الأولى في تاريخ سورية التي يصادق فيها الجمهور على تجربة سينمائية مجهولة الحسب والنسب، ولا تمتلك أي من المقومات المتعارف عليها (شهادة جامعية، دعم من مؤسسة سينمائية، موارد إنتاجية خاصة، الخ). أولا يشكل ذلك دافعاً للاستمرار في العمل رغم الصعوبات ؟

المندسة: لعل أهم ما يلفت النظر في تجربتكم هو انسحاب أنا صاحب العمل، أنا المخرج/ المصور/ الكاتب لصالح  لغة العمل: صورته ورسالته الشعرية، هل هذا الأمر مقصود أم كان نتيجة طبيعية للظروف الموضوعية ووضع الناشطين؟ هل ستتابعون بهذه الصيغة حين تتغير الظروف ومع نجاح الثورة، أم أنها صيغة نهائية؟

اعتمدنا هذه الصيغة لأول مرة عام 2010 حيث أنجزنا مجموعة أفلامنا الأولى ونشرناها على موقع شركة “أبو نضّارة” دون ذكر أسماء المخرجين والفنيين، مع العلم أن الأفلام تعبر عن وجهة نظر خاصة إن لم نقل حميمية

وكان لدينا ثلاث أهداف من وراء ذلك: أولاً، إثارة حالة من الشك والبلبلة لدى المشاهد المعتاد على تفّعيل أفكار معينة فور رؤيته اسم المخرج، الأمر الذي يحول ورؤية الفيلم بتجرد ؛ ثانياً، الإعلان عن مشروع سينمائي جذري ما كان لأسماء شخصية مغمورة إلا أن تضعفه ؛ ثالثاً، التحايل على الرقابة التي لم تكن لتسمح بنشر أفلام ممهورة باسم مخرجيها دون الحصول على موافقات مسبقة. ومع بدء الثورة، أعدنا اعتماد هذه الصيغة في إطار أفلامنا الأسبوعية، لكن لأسباب أكثر منها أمنية هذه المرة. أما إذا كنا سنستمر بالعمل على هذا المنوال بعد انتهاء الثورة، فالعلم عند الله.

المندسة: رغم تنوع الأصوات في هذه الأفلام على المستويين الخطابي والفني التقني، إلا أن الناظم والجامع في غالبيتها العظمى هو المكان: دمشق وريفها، ما السبب؟

إن كنتم تشيرون إلى مكان التصوير، فقد يكون في سؤالكم شيء من الصحة بالنسبة للأفلام التي أنجزناها في الأشهر الأولى من الثورة حيث ما كان لمجموعتنا تواجداً خارج دمشق، مع العلم أننا استخدمنا أحياناً لهذه الأفلام مادة تم تصويرها قبل الثورة. أما إن كنتم تشيرون إلى المكان الذي تدور فيه قصة الفيلم، فلا يمكن بأي حال القول أن لدمشق حصة أكبر من حمص مثلاً. لنأخذ على سبيل المثال فيلم “طلائع” وهو أحد أول أفلامنا وأكثرها انتشاراً

تدور أحداث هذا الفيلم في باحة مدرسة حيث يؤدي الطلاب تحية العلم تحت إشراف مديرة نسمع صوتها ولا نراها. لا شيء في هذه الباحة يشير إلى أن المدرسة تقع في دمشق أو ريفها، لا شيء ربما إلا الأصوات الآتية من خارج الصورة : لهجة المديرة وهتافات الحرية في الختام. في المحصل، لا يمكن القول أن أحداث الفيلم تدور في مدرسة من مدارس دمشق أو ريفها، بل في مدرسة سورية “نموذجية”. كما لا يمكن القول أن أحداث فيلم “كل شيء على ما يرام سيدي الرئيس” أو فيلم “ريما” تدور في مقابر دمشق وريفها

وربما لا يمكن القول حتى أن لأحداث فيلم “ماذا بعد ؟” علاقة بساحة عرنوس الدمشقية حيث يتتصب تمثال الطاغية الذي أخرجناه من سياقه الجغرافي وجعلناه شاهداً على سلمية نضال الشعب السوري

المندسة: هل يمكن أن تشرحوا للقارئ بمثال تفصيلي كيف يتم العمل على مشاريعكم بدءاً من الفكرة ثم التصوير والنشر وصولاً إلى تقييم ردود فعل متابعيكم؟

لكل فيلم مساره الخاص. بعض أفلامنا يتم التحضير لها قبل بدء التصوير والبعض الآخر يتم تصويرها دون سابق تحضير، ناهيك عن أن هناك أفلام لا نصورها بأنفسنا وإنما نستعين بصور بثها النشطاء على اليوتوب. “القيامة هنا” هو أول فيلم نصنعه بالكامل من فيديوهات توثق جرائم النظام

كنا ننوي منذ زمن طويل صناعة فيلم من صور النشطاء المغمورين التي سبق واستخدمناها بشكل جزئي. لكننا كنا نتخوف من السقوط في فخ الدم والتحريض. ما جعلنا نتجاوز مخاوفنا في نهاية الأمر كان الحاجة للتعبير عن وجع كبير تمثل بفقدان أشخاص عزيزة علينا في الثورة، ذلك أنه لم يكن ممكنا ترجمة هذا الوجع بشكل مباشر، كما سبق وفعلنا في فيلم “سأعبر غدا” أو “صلاة”

من هنا كان اختيارنا لصور من اليوتوب تحكي عن القتل (المقطع الأول من الفيلم مصور في درعا) ونقل الجثث (المقطع الثاني في الحولة) والدفن (المقطع الثالث في القصير)، ذلك على أنغام ترنيمة تعبر عن الألم الجلل بصوت لينا شماميان (دعوني أجود). وقد جاء الفيلم معبراً عن الألم السوري العام من منظار شديد الخصوصية ونجح بالوصول إلى جمهور واسع نسبياً، حتى أنه وصلتنا ردود أفعال مؤثرة من فرنسا حيث عرض الفيلم في إطار “يوم الفيلم القصير” الذي تنظمه المؤسسة العامة للسينما هناك.

المندسة: المخرج عمر أميرالاي الذي توفي قبيل اندلاع الثورة السورية، يبدو حاضراً في تجربتكم وأذكر على سبيل المثال فيلمي “المندسون”و” الحياة اليومية في مدينة سورية”، إلى أي حد تأثرت تجربتكم برؤيته لدور وجماليات السينما؟

ليس لنا أن نقول إلى أي حد تأثرنا بهذا أو ذاك من السلف السينمائي الصالح. ما نعرفه هو أن “الحياة اليومية في قرية سورية” الذي صنعه الشابان الثائران عمر أميرالاي وسعد الله ونوس هو واحد من أهم الأفلام التي شكلت وعينا كسينمائيين سوريين، كونه حرر الكاميرا من “سجن الحكايا المفتعلة” وارتقى بالسينما إلى مستوى من الوعي والجمال بحيث يمكنها المساهمة بمعركة الحرية بعيداً عن التحريض السياسي أو البروباغندا

المندسة: من الصعب عند رؤية التجارب السينمائية التي ولدت خلال الثورة السورية وأعداد المواهب الشبابية المتزايدة في وعيها وبحثها عن التعبير المرئي المختزل، مقاومة الرغبة بالتشفي من مؤسسة السينما ورقابتها، برعاية وزارة الثقافة، في عملها الدؤوب طوال الأربعين سنة الماضية لتعليب وتحجيم وخنق إمكانية ولادة سينما حرة. برأيكم هل هذا التحول هو نتيجة الثورة فقط؟، وهل كان ممكناً دونها لتوفر التقدم التقني والانترنت وسهولة انتاج، تحميل ونشرأفلاماً بكاميرا محمولة؟

للمؤسسة دور لا يمكن إنكاره في التأسيس لصناعة السينما في سورية. لكنها، للأسف، وقعت في فخ النظام الذي كلفها باحتكار الإنتاج والتوزيع السينمائي باسم الاشتراكية، وراح يشجع صناعة تلفزيونية سرعان ما ازدهرت واستقطبت رأس المال الذي حرمت منه السينما. بعبارة أخرى، المؤسسة تستحق الشفقة أكثر من أي شيء آخر. وسورية اليوم في ورطة سينمائية لأنها تفتقر لبنية تحتية تسمح لها بإنتاج ما يكفي من الأفلام، في حين أن التلفزيون قادر على إنتاج ما يكفي من البرامج والمسلسلات لمسخ صورة المجتمع وإحباط نزعته إلى الحرية. ماذا يمكننا أن نفعل إزاء هذا الواقع ؟ وكيف يمكننا استثمار المواهب السينمائية الجديدة التي فجرتها الثورة قبل أن يخطفها التلفزيون ويوظفها لصالح النظام المقبل، كما سبق ووظف الكثير من المواهب لخدمة النظام الحالي ؟ هذا هو السؤال الذي يتوجب على السوريين عموماً والسينمائيين خصوصاً الإجابة عليه بعيداً عن روح التشفي.

المندسة:  كيف تصفون تجربتكم الشخصية كفريق عمل مع الانعطافات الجوهرية في مسيرة الثورة وأحداثها (السلمية والعسكرة، الجدل حول طرح ومعالجة بعض المظاهر الخطرة..). كيف واجهتم خطر الانقسام بالرأي وحسمتم موقفكم حول قضايا حساسة كهذه؟

نحن لا نتناقش كثيراً في أمور السياسة. وقتنا بالكاد يكفينا للعمل وتربية الأمل. أضف على ذلك أن السياسة لا تعنينا خارج إطار لغة السينما التي نعبر من خلالها عن مواقفنا. يبقى أننا نختلف بشكل دوري، وقد اختلفنا مثلاً حول موضوع السلمية، لكن على طريقتنا الخاصة. حدث ذلك في يوم الجمعة الموافق 25 تشرين الثاني من العام الأول للثورة. نشرنا يومها فيلماً بعنوان “سأخون ثورتي” وقدمنا له كالتالي: “أنا المواطن فلان. العسكر يقتل أخوتي وأنا أرفض الانتقام، فمن يقتل شعبه خائن، كائناً من كان. لذا وجب التنويه”. الفيلم هو عبارة عن شهادة لناشط كنا قد صورناه في الظل وهو يروي قصة مفادها أنه لا يستطيع القبول بإعدام “عوايني” من قبل الثوار، وإن كان قد تسبب بمقتل عشرات الأبرياء. بعد نشر الفيلم بقليل، انهالت علينا الاتصالات من الناشط وأصدقائه طالبين سحب الفيلم. وكان علينا اتخاذ القرار بسرعة: هل نستجيب لطلب صاحب العلاقة بعدم نشر شهادته أم نعتبر أنه لا يحق لنا التراجع عن فيلم يؤكد التزام الثورة بنهجها السلمي والأخلاقي ؟ أثار السؤال معركة داخل مجموعتنا المثقلة بالتعب والهموم. وانتهى بنا الأمر، للمرة الثانية منذ بداية الثورة، لسحب فيلم بعد نشره على موقعنا.

المندسة: اعتمادكم مبدأ العمل الجماعي يذكـِّر إلى حد بعيد بكتابة الملحمة وانتاجكم لأفلام قصيرة كل يوم جمعة يشبه عمل الراوي، حامل الحكاية. هل تجدون أن هذا التوصيف مريح حين يكون دورالراوي في الحكاية وسيطاً وقارئاً لما يجري…أي ليس صاحب القول بل ناقله، أم ترون أنفسكم كصوت فاعل محرّك ومشارك صانع فيها؟

نحن لم نختر دورنا وإنما قبلنا بالدور الذي فرضته علينا المعركة، معركة السينما السورية في سبيل استرجاع شرعيتها ومبرر وجودها في مجتمع يسوده التلفزيون الذي يجسد “الجهاز الأمني الإيديولوجي للسلطة”. ويقتضي هذا الدور صياغة لغة بصرية بديلة للتحرر من السطوة التي يمارسها هذا الجهاز لصالح نظام الأسد، وسيمارسها غداً دون شك لصالح النظام القادم. بكلمات أخرى، يتوجب علينا كسينمائيين العمل في سبيل فرض ميزان قوى كفيل بردع النظام الإعلامي السائد الذي يمسخ صورة المجتمع ويجعله يشك بقدرته على التحرر، بل ويساهم بالقتل أحياناً، كما أشرنا في فيلم “الإعلام يريد إسقاط الإنسان”

هذا هو دورنا الذي لا مفر منه، ولكم أن تسموه كما تريدون.

المندسة: لا شك أن العمل بظروف الثورة الموضوعية أمر صعب، لكن هل سمحت هذه الصعوبات بانتاج عناصر إيجابية عادت بالفائدة على السينمائي المنتج وأدواته التعبيرية؟. كيف تقييمون تجربتكم بعد سنتين من عمر الثورة، ماذا أعطتكم وماذا أخذت منكم؟

الثورة ساعدتنا على الانعتاق من سجن الأنا حيث يقبع السينمائي مع صورته وصوته ونرجسيته التي يرى المجتمع من خلالها. فتحت لنا أبواب السجن على مصراعيها وقالت مشيرة إلى حشود المندسين والجراثيم والفقاعات والرعاع والإرهابيين والعصابات المسلحة : “علينا جميعاً أن ننخرط في النضال من أجل خلاصنا المشترك. ما من أيد نظيفة، ما من أبرياء، ما من متفرجين. إننا جميعاً نغمِّس أيدينا في وحل أرضنا. وكل متفرج هو جبان أو خائن” (مقتبس من فيلم “الحياة اليومية في قرية سورية”). من هذا المنطلق، جاءت تجربة الأفلام القصيرة التي نعمل على إنتاجها كل يوم جمعة بعيداً عن روح التحريض والكيدية. هذه الأفلام ليست وثائق خام يتم تصويرها حسب الظروف أو كيفما اتفق، بل يتطلب العمل على الواحد منها عدة أسابيع أحياناً، وبعضها يحاكي الأفلام الروائية من حيث المعالجة. وقد استطعنا، بفضل الثورة، أن نخوض هذه التجربة ونختبر أدواتنا السينمائية بحرية يندر أن يحظى بها السينمائي، حتى أن الكثير من أفلامنا شارك في مهرجانات سينمائية دولية كان أولها مهرجان البندقية. هذا بالنسبة لأفضال الثورة علينا. أما ما أخذته منا بالمقابل، فمن الصعب الإجابة لأن العسكر أخذ بعضاً منا، والثورة لم تنتهي بعد.

المندسة: نود أن نختم بسؤال حول رسالة واحد من أفضل أفلامكم بتناصه مع ثلاثة أعمال: عنوان الفيلم اشارة للرسام السوري لؤي كيالي، الخلفية الموسيقية للبولوني فريدريك شوبان الذي عزف للحب دون غيره، و النص القرآني. المفارقة هنا أن الرسالة أُضيفت (طُبعت) على الحجرة الرخامية بجانب تمثال يكاد أن يكون ناطقاً لحقبة حافظ الأسد و”ما بعدها”، على مدخل شارع الصالحية في دمشق: “لئن بسطت يدك لي لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك” وبرأيكم وبالنسبة لهذا النوع من السينما التسجيلية (الطوارىء)، كما الثورة “ماذا بعد؟”.

نحن نرى أن الشعب السوري ينهض من بين الأموات. وبما أن الموت في القطر السوري كرّس نفسه قائداً خالداً ويريد للشعب أن يلازمه إلى الأبد، فهو يسعى لاجتثاث الناهضين ومسخ صورتهم كي يقنع العالم أن لا حياة في هذا القطر إلا للموت. فيلم “ماذا بعد؟” كان محاولة أولى لإعادة الأمور إلى نصابها من خلال نعي القائد الخالد والاحتفاء بعودة الحياة. للأسف، لم تعد الأمور إلى نصابها رغم محاولاتنا السينمائية المتكررة. لكن لا خيار لنا إلا المحاولة أبداً. ولا خيار للسينما السورية إلا أن تصور وَحْل أرضنا بشكل لائق أو تمضي مع القائد الخالد. لذا وجب التنويه.

——————

تنويه:

لمشاهدة أعمالهم التي استخدمت فيها تقنيات  وأدوات متنوعة: الموسيقا، الكلمة المكتوبة، مقابلات مع الناشطين والمعتقلين، الغناء، الصور الفوتوغرافية، اللقطات التصويرية الحية والرمزية- من قبل وخلال الثورة، أنظر:

رابط صفحتهم على الفيس بوك:

http://www.facebook.com/pages/Abounaddara-Films/128084573918925

رابط الأفلام على موقع فيميو

http://vimeo.com/user6924378/videos

رابط الموقع:

http://www.abounaddara.com

 

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...