GD Star Rating
loading...

885230_342634752523759_407486125_o

 

في العدد الخامس من “جريدة شام

تحقيق ميداني من إدلب:
خط الفوعة – القرداحة العابر للثورة

إمدادات النظام تصل بسلام تحت عيون بعض كتائب الجيش الحر.. ضعف إمكانيات أم تواطؤ أم تمهيد لحل سياسي؟!

“عمر علي باشا – إدلب”

————–

قدر غريب يحتاج حكمة الحكماء وجهود المحللين، ليفك لنا لغز بقاء بلدة الفوعة، التي يدين معظم سكانها بالمذهب الشيعي، كل هذه القرون وحيدة وغريبة في بحر سني كبير، لا يكسر غربتها إلا ملاصقتها لبلدة بنش التي كانت فيما مضى تجهل التعصب المذهبي!

قد يمكننا الإجابة على بعض هذه الألغاز لو نظرنا بشكل أكثر إمعاناً إلى خريطة الأرض والتوزع الديموغرافي، حيث نرى خطاً كالحبل السري للنظام, يبدأ من الفوعة شمالاً وينتهي بالقرداحة غرباً..

من الفوعة شمالاً، التي تعتبر يد النظام في منطقة إدلب وخزانه التشبيحي وأخر معقل موالي له، إلى القرداحة غرباً قلب النظام ومركزه العصبي، خط عسكري مفتوح يشق أشرس المناطق الثورية, يمر بها كما يمر نفق طويل وعميق في بطن الجبل.. جبل الزاوية الذي خاض أول المعارك وأشرسها مع النظام.

حتى من لا يملك الحد الأدنى من الحس العسكري يدرك أن هذا الطريق يجب أن يقطع، وبالتأكيد لن يفهم كيف يبقى هذا الخط الطويل آمناً تمر به إمدادات النظام، ويتدفق فيه الدم اللوجستي من القرداحة مروراً بجسر الشغور فأريحا فإدلب المدينة ومنها إلى الفوعة، خط يبلغ طوله المئة وخمسين كيلومتراً تعبر بها قوات النظام بكل ارتياح، ولا نسمع فيه حتى بمناوشات صغيرة من الثوار من اشتباك أو لغم أو حاجز طيار!

يحدث هذا في منطقة إدلب التي نالت من الثورة اسم: “إدلب التحرير”، وتتعلق بها كل الآمال باعتبارها المنطقة المثالية للقتال والجهاد، وفيها اكبر نسبة مقاتلين في سوريا.

قادة كتائب أم تجّار ترانزيت؟!

عندما تطرح مثل هذه الأسئلة على قادة الكتائب تبدو عليهم الدهشة وكأنهم غير منتبهين للموضوع ومتفاجئين… مقاتل كما عرّف نفسه، وربما يكون قائد كتيبة من مدينة سرمين يقول: “مطار تفتناز كان الشغل الشاغل للمنطقة، وبعد تحريره صارت العيون تتجه لمحرريه كفاتحين غانمين يملكون القدرة على اقتحام وضرب ما تبقى من معاقل النظام القوية”.

لكن ناشطاً سياسياً من مدينة سراقب يحلل الوضع بجرأة: “أنشأ النظام في البداية خطاً يصل بين اللاذقية وحلب، وذلك بعد أن تحول بعض قادة الكتائب الكبرى من ثوار إلى تجار، حيث أن عدداً منهم محدث النعمة بعد جوع قديم، فعرف النظام بأساليبه العريقة كيف يحولهم، من حيث لا يدرون ربما، إلى تجار ترانزيت للسلاح والمواد الغذائية. لقد تجنبت الكتائب الثورية المواجهة مع هؤلاء التجار الجدد كي لا ندخل حرباً مناطقية وأهلية بين الكتائب المقاتلة. اليوم وبعد أن أغلق طريق حلب اللاذقية من قبل الكتائب الثورية، بقي خط إدلب اللاذقية أو الفوعة القرداحة”.

يضيف الناشط السياسي: “ليس صعباً قطع هذا الطريق وخنق النظام، بل كان باستطاعتنا، من خلال عمليات تلغيم أو أسر أو حصار، مفاوضة النظام على أمور كثيرة، أقلها عدم القصف مقابل تأمين الخبز له، أي التعامل مع خط النظام ومعاقله على هذا الخط كرهينة بيد الثورة، ولكنه بعد أن أصبح خط تجارة، وأحيانا تجارة خطف، أصبحت مسألة تحريره أمراً معقداً وخطيراً ويحتاج إلى قوة حاسمة لا تأبه لأحد وتقاتل كل من يمانعها”

مقاتل من الكتائب الإسلامية في بنش يزيدنا من الشعر بيتاً: “بعد تحريرنا لمطار تفتناز كانت الخطة أن نسرع إلى حصار معمل القرميد ومعسكر النيرب، المعاقل الكبرى للنظام، ولكن من سبقنا إليها فور تحريرنا للمطار صار عائقاً لنا في عملية التحرير، فهو لا يسمح لنا بتحريره في حين يعجز هو عن تحريره”.

ويضيف المقاتل بسخرية: “بعد مسلسل “تحرير وادي الضيف للصيف” أصبحنا نخاف أن يكون معمل القرميد هو المسلسل الجديد الذي تمتد أجزاؤه ولا تنتهي إلى يوم يبعثون!”

وحين قلت له أنه حسب معلوماتي الفوعة هي الهدف القادم بعد مطار تفتناز، أجاب: “أبداً أبداً، هناك أصوات غاضبة من شبيحة الفوعة، ودعوات للانتقام منهم تعالت كرد فعل عاطفي، وبدأت الفوعة تتحرش بجيرانها لخلق توتر وحرب طائفية تبعدنا عن معركة القرميد والنيرب ومدينة إدلب، وكان قرار الكتائب واضحاً هو التضييق على شبيحة الفوعة وليس قتالها كبلدة”.

أحد الإعلاميين من مدينة تفتناز قال لنا: “التجارة هي أكبر تهمة يمكن أن توجه وتفسر تقاعس الكتائب الثورية بكل ألوانها عن التعرض لهذا الخط أو تحريره أو حصاره، وأسرع الأجوبة وأكثرها تداولاً، أنه لا يوجد سلاح كافي، وإن وجد فالكتائب لا تتفق بين بعضها لحسم الموقف، هكذا أغلب الأجوبة وهي أجوبة تجعل السبب عاماً”.

سياسي من مدينة بنش انفجر غاضباً وقال: “القصة ليست قصة تجّار في الغرب (يشير إلى طريق أريحا اللاذقية) ولا قصة غنائم في الشرق (ويقصد حلب والرقة)، القصة أكبر من ذلك بكثير، القصة قصة سياسة واللغز لغز سياسي، مَنْ أعطى المال والسلاح والإعلام لقادة بعض الألوية؟ قادة يذهبون لاستانبول ليجتمعوا مع السفير الأمريكي والفرنسي، ولا يفهمون ألف باء السياسة بل ربما لا يعرفون القراءة والكتابة، تلقوا الوعود من السفراء أن يكونوا قادة سورية بشرط أن يسمعوا الكلمة ويكونوا مطيعين!!”.

رحلة إلى جبل الزاوية

أجوبة مثيرة تثير الفضول للبحث عن حقيقة هؤلاء القادة المذكورين، دفعتنا إلى الذهاب بعيداً لاستقصاء الموضوع، طريقنا إلى الجبل العنيد (جبل الزاوية) لم يكن صعباً، حيث كان قادة كتائب إحدى الألوية الرئيسية في الجبل يعقدون اجتماعهم في مغارة تحت الأرض.

قبل الاجتماع في المغارة كان لنا لقاء مع نائب رئيس اللواء وأحد قادة كتائبه الذي رافقنا ضمن دروب الجبل الوعرة ليوصلنا للاجتماع، وقبل أي سؤال، كان يشكو كل الطريق من ضعف التسليح وقلة المال، حتى أني سمعته يطلب الاستدانة من أحد المقاتلين التابعين له، في الواقع طريقته الاستعراضية في الطلب جعلتني افهم شيئاً مغايراً!!

همس بإذني أحد مرافقينا من ثوار المنطقة: “بالأمس غنموا سلاحاً كافياً لتحرير فلسطين، كانوا في البداية مقاتلين صادقين فتحولوا إلى طلاب غنائم متقاعسين، أملنا بات بثوار الشام، هناك اصدق الثوار وأشرفهم”.

جلسنا قليلاً في مكان كان مدرسة لتعليم قيادة السيارات وبات اليوم للتدريب على السلاح، ثم لمّا حلّ المساء، انتقلنا من خلال أحراش الجبل إلى تلك المغارة الكبيرة التي اتسعت مساحتها لعشرات القادة.. كان الاجتماع غريباً ومخالفاً لكل تصوراتي.

سمعت مواجهات كلامية حرة بين المقاتلين، لا أحد يهاب أحداً، حتى أنني وجدت قائدهم في موقع الدفاع، البساطة والألفة كانت سيدة الجو، ألقى القائد كلمته المرتجلة، كأنه كان يجيب بها على كل الأسئلة التي في عقلي، هل هي الصدفة أم أنها أسئلة الجميع؟ كانت في الواقع أجوبة هروبية عن أسئلة كبيرة وخطيرة، وكلها ترجع السبب لضعف الإمداد والتمويل.

وحين انتهى الاجتماع نهاني مرافقي لدرجة الزجر عن توجيه أي سؤال تشتمُّ منه رائحة اتهام، في الواقع لم أكن أنتوي توجيه أي سؤال كان، فنمط الأجوبة التي سيقدمها القائد واضحة ومعروفة ولن تختلف كثيراً عمّا قاله في كلمته.

نمنا في المغارة واستيقظنا على صوت قصف هائل لوادي الضيف، كأنه يتم فوق رؤوسنا، يدخل أحد قادة الكتائب وفي يده رسالة استغاثة من مقاتلين هناك لإمدادهم بالذخيرة، وكان يحلف الأيمان المعظمة أن لا يملك أي طلقة، ولكن عشرات المقاتلين اشتعلت بهم نار الحماسة ونزلوا نحو وادي الضيف غير عابئين بقادتهم، أحبوا أم كرهوا هذا.

قائد كتيبة من قرى معرة النعمان يضحك متباهياً ويقول: “هل رأيت بعينيك؟! هذا التصرف من المقاتلين هو العاصم من فرض أي تسوية مع النظام يطمح لها أولئك الأوباش”.

قال ذلك ونحن نشرب شاي الصباح، استيقظ شاب ملامحه أنيقة، وكان على ما يبدو واعياً لحديثنا قبيل نهوضه، وقبل أن يلقي علينا تحية الصباح دخل الحديث مباشرة: “سؤال بسيط جداً: بعضهم يملك قوة تكفي لتدمير ما تبقى من النظام بأيام، فلماذا هو متروك من الفوعة إلى القرداحة في حالة سياحة، يضرب ويقصف ويدمر؟!”.

وأجاب الشاب، الذي عرفنا فيما بعد أنه طالب جامعي سابق، عن سؤاله بنفسه: “البعض من الكتائب المزروعة على جانبي خط النظام من إدلب إلى اللاذقية هي كتائب لفرض التسوية والصلح مع النظام، إنها كتائب مرتبطة مع أجندة السياسات الخارجية”.

كلام ينطقه صاحبه بعمق وصدق، هذا الكلام نقلته مستغرباً وربما مستنكراً، بعد عودتي، لأحد الناشطين الإغاثيين من مدينة أريحا، وهو كان سابقاً من قادة التنسيقيات في المدينة، فأكد لي أن تحليل الشاب صحيح، ولكي صدّق روى لي القصة التالية:

“في إحدى الفنادق ذات النجوم الكثيرة، كنت في لقاء مع أحد الداعمين للعمل العسكري في إحدى المناطق المشتعلة في سوريا، وهو من الشخصيات المشهورة، كرّس معارفه كلها وسمعته النظيفة لدعم العمل المسلح، أخبرني بحسرة أنه في إحدى المرات اتصل من تركيا باثنين من قادة الكتائب الميدانيين فلم يرد عليه أحد منها، وبعد أيام ردا على اتصاله فسألهما: “أين كنتما؟ قلقت عليكما؟” فصارحاه أن “أجانباً” اتصلوا بهما وطلبوا لقاءهما في إحدى السفارات الغربية في تركيا!

وتساءل ذلك السياسي المشهور: “لماذا يسعون للقاء هذين القائدين البسيطين وهم يعلمون تماما أني أنا الممول لهما والسياسي المتحدث باسمهما، لقد أمّنوا لهما إقامة في أفخم الفنادق، ووعدوهما بوعود كبير. حذرتهما أنه في حال تكرر هذا التصرف منهما فسأعتبر الموضوع خيانة”.

ويضيف محدثي بعد هذه الحكاية الطويلة: “ربما كانت حكاية هذا السياسي المشهور قابلة للتصديق، وبغض النظر عن رأينا بالسياسيين وأهدافهم ونزعتهم للسيطرة، يحق لنا أن نتساءل: لماذا تسعى السفارات الغربية بهذا الإلحاح لاستقطاب القادة الميدانيين والهيمنة النفسية والسياسية عليهم؟!”

من تجربة جبل التركمان

عدنا أخيراً إلى قريتنا بنش، حيث حضرنا سهرة كان موجوداً فيها بعض شباب جبل التركمان من مقاتلي الجبهة هناك، وكانوا قد قدموا لإدلب ليحمّسوا بعض الكتائب المرتاحة هنا للذهاب إلى أخطر جبهة في سورية: جبهة اللاذقية، بعد أن أصبحت أضعف جبهة، وقد عرضوا الأمر على أهم الكتائب دون أن ندري نتيجة سعيهم.

سمع هؤلاء أسئلتي التي لا تنتهي عن خط الفوعة- القرداحة فقال لي أحدهم: “كان طريق حلب اللاذقية مفتوحاً، وحين كنت أطلب من قائد كتيبة في منطقتنا أن نبدأ معركة إغلاق هذا الخط كان يجيبني: “هذا مستحيل، إمكانياتنا لا تسمح بذلك”، كان يجعلني أشعر أنني أطالبه بضرب خط (بارليف) أو شن حرب ضد دولة عظمى، وأن العاقبة ستكون شن حرب إبادة علينا بالقنابل النووية!!”

ويضيف مع ابتسامة واسعة: “ولكن ومن حيث لا يعلم القادة، قامت مجموعة من الشباب المجاهد، ونتيجة معارك كر وفر، بقطع هذا الطريق نهائياً، واكتشفنا مدى هشاشة هذا النظام في قدرته على الرد. تمّ إغلاق الطريق بذخيرة قليلة وبعدد محدود من الشهداء، واكتشفنا بعد فترة أن المهولين مستفيدون من إبقاء الخط مفتوحاً”.

يتابع حديثنا ناشط لسياسي من معرة مصرين كان معنا في السهرة، ويقول معقباً: “أكثر ما أخشاه من موضوع الصلح مع النظام، هو انقسام الكتائب في سوريا بين من هو مع الصلح ومن هو ضده، أخشى أن تكون بعض الدول الغربية قد أعدت بعض قادة الكتائب للقبول بحل سياسي وفرضه عملياً على الأرض بقوة الأمر الواقع، ما الذي قد يمنع ذلك، وللقوى الدولية طرقها في جس النبض وإطلاق بالونات الاختبار؟! اذا كان بعض قادة الكتائب مستعداً لهذه الصفقة، فهم لا يتجرؤون على المغامرة بإعلان موقفهم الآن لأن أغلب المقاتلين، رغم عيوب البعض منهم، لن يقبلوا بهذا في هذا الجو العام الثائر، وسيسقطون قادتهم ويتمردون عليهم إن بدت منهم بادرة تخاذل”.

رأي آخر

لم يعترض علينا سابقاً أي ناشط أو قائد عسكري لدى سؤالنا عن خط الفوعة- القرداحة، فكلهم أجمعوا على وجود هذا الخط وأهميته وعدم تعرض الجيش الحر له، إلا أن أحد الناشطين في المجالس المحلية في محافظة إدلب فاجأنا بالقول: “هذا الخط افتراضي وهمي لا وجود له ، إلا بشكل متقطع في محمبل حيث يُضرب حاجزها دوماً من قبل الجيش الحر، وفي اليعقوبية التي تحررت مؤخراً. وكيف يكون هناك خط للقرداحة وجبهة جبل التركمان مشتعلة؟! إنه، إن صح وجوده، طريق وعر جداً وليس سالكاً ولا يمكن الاعتماد عليه في الإمداد”

ويدعمه زميل له ناشط أيضاً بالمجلس المحلي: “هذه لغة تخوين وتهوين لا نقبلها، كل الناس خير وبركة، من نحن حتى نتهم أناساً شرفاء قاتلوا النظام، هؤلاء مجاهدون اخلصوا النية لله، ربما قصّروا فهم بشر بالنهاية، ولكنهم فوق كل شبهة وكل اتهام”.

كان يدلي برأيه أثناء مشاهدتنا لإحدى القنوات الفضائية الثورية التي كانت تعرض فيديو لمقاتلين وهم يقصفون بالهاون معسكر معمل القرميد، مقاتلين عيونهم على الكاميرا لدى كل حركة لدرجة أفقدت المشهد عفويته، مع هتاف “الله اكبر” كلما اقتربت الكاميرا منهم، ومع كل “تكبير” تصوير وتذكير باسم الكتيبة …

_________________

و في نفس السياق ضمن ربط شخصي بين ما كُتِب آنفاً و الواقع الملموس لعوائق توحّد العمل العسكري, أقدم لكم شهادة معن دهنين – أبو صطيف – أحد قادة كتائب الجيش الحر في المنطقة الشمالية الذي استُشهد قبل يومين في إحدى القرى التابعة للريف الإدلبي ( رحمه الله و تقبّله ) …

 

622713_10151152230504332_1857806429_o

 

 

 

GD Star Rating
loading...
GD Star Rating
loading...